أثواب مطرزة بألوان مختلفة وزخارف متعددة الأشكال تتزين بها النساء الفلسطينيات ويعتززن بها كَتُراث فلسطيني أصيل.. فما سرّ تلك الزخارف المنقوشة بالخيوط الحمراء والسوداء والصفراء على الأثواب التي ترتديها النساء الفلسطينيات؟ ولماذا تختلف بين مدينة وأخرى.. هذه الثياب التي أصبحت سفيراً للمرأة الفلسطينية في كل مكان وعنواناً لها يدل على عمق ارتباط تراثنا بهذه الأرض عبر زخارفه المنقوشة من مزروعاتها وأشجارها التي تملأ أرضنا ذات الحدائق الغناء..
أسرار الصنعة
حاولنا التعرف إلى أسرار هذه الثياب الفلسطينية والاختلافات التي تميز كل واحد منها عن الآخر فالتقينا مع أ.جيداء العبادلة المشرفة على قسم التطريز بجمعية الشابات المسلمات فرع خان يونس التي قالت: «الثوب الفلسطيني يختلف من حيث الألوان المستخدمة والرسومات المطرزة من مدينة لأخرى داخل فلسطين ولكل مدينة مميزات لثوبها تختلف عن المدن الأخرى» مضيفة: «مدينة رام الله مثلاً تشتهر بنسيجها المعروف بـ«الرومي» الذي ينسج بالنول اليدوي حيث كانت النساء يطرّزن ثيابهن المصنوعة من قماش الكتان الأبيض ليلبسنها في فصل الصيف ثم يصبغن القماش ذاته باللون الأسود ويقمن بتطريزها ليصنعن منها ثياب الشتاء وقد استخدمت النساء الأشكال الهندسية التقليدية بشكل رئيسي في التطريز ثم تسللت الأشكال المزهرة «الزهور» إلى تصاميمهن في بدايات القرن العشرين تأثراً بالغرب حيث طرّزت النماذج ذاتها على الثوب وغطاء الرأس الذي اشتهرت به نساء رام الله وعُرف تطريز رام الله باستعمال اللونين الأحمر والأسود».
أردفت العبادلة بالقول: «أما مدينة يافا فاشتهر تطريزها بدقته وأناقته فالغُرَز «القطب» منمّقة جميلة والرسومات أنيقة مميزة والثوب في غاية الإتقان حيث كانت نساؤها شديدات الاعتزاز بثيابهن وكانت الوحدات الزخرفية بثوب يافا محاطة في معظم الحالات برسومات لشجرة السرو التي كانت تحيط :”ببيرات” البرتقال المشهورة بها المدينة».
وتضيف:” في الخليل استخدمت النساء في أثوابها الأقمشة القطنية المعروفة بـ«القروي» المنسوجة يدوياً حيث اشتهرت قرى الخليل بأثوابها وتطريزها المتميز بكثافته وتعدد ألوانه ورسوماته أما قطاع غزة فاشتهرت ثياب نسائه برسومها التطريزية المتميزة ذات الوحدات الهندسية الكبيرة حيث كانت المجدل مركزاً للنسيج وكانت تزود القرى الموجودة في القطاع بالأقمشة واشتهر عدد منها بالتطريز ونسج القماش الغزّي كأسدود وحمامة وكوكبة وبيت لاهيا وجباليا وهربية».
وتلفت العبادلة إلى أن نسوة بئر السبع كنّ نساجات فاطنات ماهرات فقد كنّ يستعملن القماش الأسود في خياطة ثيابهن التي كانت تتميز بقماشها العريض قياساً إلى ثياب المناطق الأخرى حيث ينفرد ثوب هذه المنطقة بكونه الوحيد الذي يزين القسم الأسفل من واجهته الأمامية بالتطريز الفلاحي وفي بعض الأحيان تعكس ألوان الخيوط الحالة الاجتماعية للمرأة السبعاوية حيث تزين العروس ثوبها بتدريجات وظلال من اللون الأحمر أما الأرملة فتطرز ثوبها باللون الأزرق القاتم وهو لون الحداد وعندما تتزوج الأرملة مرة أخرى تزين ثوبها الأزرق بألوان زاهية معلنة بذلك نهاية الحداد.
ثوب مقاوم!
لم يقتصر الثوب الفلسطيني على الأنماط التراثية التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا بل كان الثوب مرافقاً للشعب الفلسطيني في كلّ مراحله النضالية فإضافة لكون اللون الأحمر هو الأكثر شيوعاً في الخيوط المستخدمة في التطريز فهو يرمز إلى الدماء الفلسطينية التي لا تزال تسيل في كل مراحل النضال التي خاضها شعبنا منذ وجوده على أرض الرباط وتعدى ذلك ليقاوم الظلم الممارس ضد شعبنا بطريقته الخاصة حيث تقول العبادلة: «من خلال دراستي لتاريخ التطريز الفلسطيني والمآسي التي مرّ بها شعبنا وجدت أن الظروف السياسية قد أثرت على هذا الفن ففي عام 1988 خلال الانتفاضة الأولى لشعبنا ضد الاحتلال كان هناك ولادة لثوب فلسطيني جديد أضيفت إلى رسوماته التقليدية رسومات مطرزة لخارطة فلسطين والعلم الفلسطيني وأغصان الزيتون وحمامة السلام وقد ظهر هذا الثوب في منطقة الخليل وسمي «ثوب الانتفاضة» وانتشر ارتداؤه في سائر قرى فلسطين وتعدّاها إلى الخارج إلى جميع مناطق الشتات الفلسطيني».
لا مجال للتسويق!
تتحسر العبادلة على هذه الحرفة وما أصابها أخيراً فقد «أثر الحصار الجائر المفروض على شعبنا الفلسطيني في الوقت الحالي بشكل كبير على هذا الإبداع الفني فهذا الفن للأسف الشديد لا يلقى رواجاً وإقبالاً عليه داخل فلسطين أو داخل قطاع غزة بصفة خاصة فالتطريز الفلاحي يحتاج إلى تكلفة مادية كبيرة وأسعار الخيوط والقماش مرتفعة مما جعل الإقبال على شراء هذه القطع المطرّزة قليلاً بسبب الظروف الاقتصادية والمادية التي يعيشها شعبنا فهناك العديد من الضروريات التي تحتاج إليها الأسرة قبل الحصول على قطعة مطرزة».
ويبقى الثوب الفلسطيني هو عنوان المرأة الفلسطينية التي حافظت عليه جيلاً بعد جيل وحفظته من الاندثار بالإصرار على القيام بتطريزه رغم ما يستغرقه ذلك من وقت وجهد اعتزازاً به كجزء أصيل من التراث الفلسطيني حيث تحاول تسويقه في الخارج إلا أن الحصار يمنعها من ذلك بينما تقوم أطراف إسرائيلية بالترويج له على أنه جزء من التراث الإسرائيلي الذي ترتديه مضيفات طائرات «العال» الإسرائيلية في المواسم السياحية فهل سيجد هذا الثوب من يُنصفه ويحفظ له فلسطينيته؟!










