ثقافة وفنون

رؤية من قلب المكان .. إبداع على ضوء الشموع


 

ملئ المرسم بلوحات هنا وهناك تاه فيها لون الأمل مع لون الألم رسمتها أنامل فلسطينية لتعميق رؤية الأمل الذي ينبثق من قلب الحصار أعمال باهرة تأخذ اللب والقلب إلى البعيد البعيد لوحات خطها شبان يافعين رسموا وعبروا بلوحاتهم عما يجول بصدورهم.

كل ذلك جُسد في معرض رؤية من قلب المكان الذي نظمته وزارة الثقافة في قرية الفنون والحرف بمدينة غزة.

سنواصل مشوارنا

في بداية تجولنا بمعرض رؤية من قلب المكان استوقفتني لوحة فنية تحتوي على لمبة كاز معلقة على عصاة ولكنها غير مضيئة فلم تكن هذه اللوحة من خيال فنان بل هي من وحي واقع فالتقينا صاحبة اللوحة الفنانة روان مخيمر” 29″عاماً ففسرت لنا ما تعنيه لوحتها قائلة: ” لوحتي تجسد الحصار المفروض على قطاع غزة الذي أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي فالفانوس غير مضئ لعدم توافر الكاز في القطاع”.

وتشير إلى عدم وجود مؤسسات ترعى إبداعاتهم بالقدر الكافي باستثناء وزارة الثقافة التي لعبت دوراً كبيراً مادياً ومعنوياً حيث سعت لإبراز أعمالهم بشكل كبير منوهة إلى أن جمعية الفنانين التشكيليين تقوم بتوفير فرص لديهم للمشاركة بالمعارض الفنية المختلفة فهي عبارة عن رابطة لمجموعة من الفنانين ومن خلالها يتم تبادل الآراء والفكر الثقافي والفني بالإضافة لتبادل وجهات النظر الفنية المختلفة.

 وتعتبر الفنانة مخيمر أن الحصار أكثر المعوقات التي تواجههم حيث أدى الإغلاق لعدم توفر الخامات والأدوات اللازمة لأي عمل فني فتقول: “يوجد نقص شديد في المواد اللازمة للعمل الفني كالأخشاب والألوان والقماش نتيجة الحصار الخانق المفروض على قطاع غزة “.

وبنبرة قوية وبكلمات جسدت مقولة من فوق أسوار المستحيل يعبر الممكن تكمل حديثها: ” إذا قلت أو انعدمت الخامات الأولية لن ينثني ذلك عن مواصلة مشوارنا الفني حيث أننا نلجأ لاستخدام خامات بسيطة كألوان التمبرا التي يدخل في تكوينها زلال البيض ويصنع بشكل يدوي كما نقوم باستخدام بعض الأصباغ كالحناء وقد اتخذنا الفنانين الأسرى قدوة لنا حيث كانوا داخل السجون الإسرائيلية يستخدمونها للتلوين “.

وتوضح مخيمر أن انقطاع التيار الكهربائي يعد من أهم الصعوبات التي تواجههم مشيرة إلى أن اغلب الرسومات المعروضة رسمت على ضوء الشموع وبالنسبة  لتطوير قدراتهم الفنية فإنه يتم من خلال متابعة المعارض والاطلاع على الشبكات الفضائية الإخبارية لمواكبة الفكر الحضاري بالإضافة للاطلاع على أعمال الفنانين في العصور السابقة كعصر النهضة وفنانين المدارس التشكيلية المختلفة ” كالتجريدية والسريالية ” كعمل الفنان “سلفادور دالي و بيكاسدأو دفنشي وأعمال عظماء الفنانين في الحقبات التاريخية المختلفة.

الفن المقاوم

وتؤكد الفنانة مخيمر أن الفن من أهم وسائل المقاومة تقول: ” الكاتب يعبر عما يجول بداخله عن طريق القلم والمقاوم يدافع عن قضيته بسلاحهوالفنانين التشكيلين تكون الريشة بالنسبة إليهم بمثابة البندقية التي يدافعون بها عن قضيتهم “.

وعن سبب مشاركتها بهذا المعرض تقول: “إننا نسعى لإيصال رسالتنا للعالم وهي أن الشعب الفلسطيني رغم الحصار والإغلاق توجد روح الإبداع داخلنا ومهما حاول الإسرائيليون وغيرهم قتل عزيمتنا وإرادتنا فلم يستطيعوا تحقيق ما يريدون فرسالتنا واضحة الهوية الفلسطينية بشكل واضح والريشة لغة تفهمها كل الشعوب دون الحاجة للكلمات “.

وتعتبر مخيمر أن الفن له أهمية كبيرة في حياتها قائلة:” الفن بالنسبة لي بمثابة الماء الذي يحي الأرض فهو الذي يحيني”.

الطفولة المسلوبة

وما هو ملف للأنظار أن لوحات الفنانة لاتخلوا من الزهور ففسرت ذلك بأنها استخدمت الزهرات في أغلب أعمالها لترمز فيها عن الطفولة المسلوبة لأطفال فلسطين مشيرة إلى لوحة

كانت قد رسمتها من قبل فتقول:” في لوحتي ألوان مختلفة متتداخله في بعضها البعض تشبه لعبة مركبة تمثل ألوان الحصار الظالم على غزة ويسقط عليها وهي محاصره صاروخ إسرائيلي يقتل إحدى الزهرات فتتساقط بتلاتها على الأرض وحمامات السلام تنظر إلى الحصار وتحيطها مجموعة من الأسلاك الشائكة “.

وبجانب آخر من المعرض كانت تقف الفنانة ولاء أبو سلطان “23” عاماً بجوار لوحاتها وهي طالبة بكلية الفنون الجميلة بجامعة الأقصى فقد أكدت أن معرضهم لقي قبولاً شديداً من جمهور الشباب والمثقفين مما يدلل على وجود وعي فني وثقافي لدى أبناء الشعب الفلسطيني ونجاحاً رائعاً مستنتجة ذلك من تعليقات كبار الزوار والفنانين حيث احتوى المعرض على إبداعات جديدة لم تكن موجودة مسبقاً.

وتشير أبو سلطان إلى وجود عدد لا باس به من الفنانين الذين أبدعوا وتميزوا رغم الحصار والضغط المادي والمعنوي الذي يتعرضون له حيث تقول: ” على الرغم من كل الصعوبات التي تواجهنا استطعنا أن نحقق رسالتنا ونخلق من التراب إنتاجا نصل فيه للتميز “.

وتوضح أن الفن هواية تحتاج إلى تطوير بجهود شخصية من الفنان بالإضافة لرعاية المؤسسات المختصة له قائلة :” إن الفن رسالة أرقى وأسمى من أي رسالة آخري فهي المحفز للشعب الفلسطيني بالثبات والمقاومة والاهتمام بالقضية الفلسطينية “.

وتطالب الجهات المختصة بزيادة عقد الدورات للفنانين التشكيلين لما لها من دعم وتنوير فكري وثقافي بالإضافة للدعم المادي والمعنوي قائلة: ” لا يوجد كم كافي لخلق إبداع فنان والوصول به إلى ذروة الإبداع فالفن في تطوير مستمر”.

وتشدد على ضرورة النظر للفنانين بعين الاهتمام لأن الفن رسالة مهمة تحتاج لدعم مكثف مع عدم التقليل من الدعم الموجه إليه حاليا فتقول: ” نحن نحتاج إلى أكثر من ذلك بكثير فرسالتنا مازالت مستمرة لكسر الحصار وهذا المعرض لن يكون الوحيد بل سيعق في شهر يناير المقبل للعام القادم معرضا آخر تحت عنوان القدس عاصمة الثقافة “.