ثقافة وفنون

الفارس الملثم !


 

من في هذه القريةلم يسمع عن الحصان الشبح وفارسه الملثم؟
يقال إنه يطوف بالمكان حين يغيبالقمر ويُسمع في المدى صهيل أصيل ورشقات تنطلق من فوهة بندقية قديمة تغير علىطريق المستوطنات اللعين.. وأنه لا أحد أبرع منه في اصطياد سكانها والاختفاء منالمكان دون أن يراه أحد.
ابتسم شيخ المسجد الوقور حين سألوه ذات مرة عن أمر ذاكالفارس وقال: إن أفعاله دليل وجوده لكن من هو ومن يكون؟ الله أعلم. أستطيع أن أقولفقط إنه بطلر بطل من هذا الزمان..
يومها كان حسام حاضراً وخرج مستخفاً بكل مايقال صحيح أنه يرى سيارات الاسعاف الصهيونية تهرع من حين لآخر إلى الطريق الذييجاور أرضهم وأن دورياتهم مشطت المكان كله في غير مناسبة هذه أحداث لا ينفيهابتاتاً ولا ينفي أن أحداً ما يقف وراءها لكن من الهراء تحويل الأمر إلى خرافة منالخرافات التي لا يقبلها عقل ولا منطق. فكيف يصدق أن يكون لحصان جناحان يفردهماويعلو في السماء ليختفي خلف الجبل؟ أو أن فارسه شبح باهت يرى ما وراءه من خلاله؟وروايات أخرى أكثر غرابة وكل الرواة يقسمون أنهم رأوه بأم أعينهم!
طفق عائداإلى البيت على صهوة جواده أدهم وأدهم هذا حصان عربي التقاسيم فتلت عضلاتهوتربعت بين عينيه غرة جعلته مميزا عن سواه وله شعر طويل مشذب الأطراف يهزه زاهياكلما امتطاه فارس متقن لصنعة الركوب ولد قبيل وفاة والده في مرضه الأخير فكان أنعهد إليه بتربيته وترويضه وصار أنيسه يصحبه في جولة كل مساء حين تنحني الشمس خجلىوتصبغ الفضاء بأحمر ساحر..
لم يكن ميراث أبيه هذا الحصان فقط بل أورثه أرضاتربعت على سفح الجبل مسندة إليه ظهرها حمى.. كأجمل ما يكون ! و بيارة ازدانت الأرضبها خضراء نضرة ارتصت أشجار الحمضيات والكروم فيها على الناحية الشرقية كأنهادبابيس منتقاة في حين اصطفت أشجار الزيتون وبضع دوالي جهة الغرب وتربتها الحمراءكالبساط المخملي مفروشة بين المزروعات.. ولم يكن يعكر صفو المكان سوى تلك الطريقالتي ابتلعت جزءًا ليس باليسير من أرضه لتنتهي آخر المطاف إلى وحدة استيطانية باتتأشبه بسرطان يكبر يوما إثر يوم مبتلعا في طريقه الأخضر واليابس..
وأورثه أختينوأخا كبراهم عادت إليه بعد زواجها بسنوات ثلاث تجر خلفها صبيا بالكاد يمشي علىقدمين و قد تكور بطنها مفشيا عن آخر قادم بعد شهور وأخرى تدرس في الجامعة فلايراها إلا حين الإجازات ومحمد ابن الثماني عشرة سنة ورغم أنه كان قوي البنية جميلالطالع مرصوص الثنايا أبيضها إلا أنه ولد أصم وظل يملأ المكان بحيويته وفرحهالصامت..
حتى أتى ذلك اليوم ..

* * *

تأخر عن موعده يومها تأخركثيرا حتى كادت الشمس تأوي إلى خدرها خلف الجبل وحين عاد يطلب أدهم وجد مربطهخاليا وسأل عن محمد فلم يجده هو الآخر لا في الدار ولا في الجوار فإن اختفى أدهمومحمد فقد اختفى شاب أصم يمتطي جوادا عصيا ويجوب به أرضا على حافة طريق يمر منهااليهود !
داهمته هذه الفكرة فاستولى عليه الهلع وانطلق راكضا وناقوس خطر يدقفي قلبه فيبعثه على الإسراع أكثر وأكثر تلاحقت أنفاسه وتدفق عرقه غزيرا.. وبدا لهأنه لن يصل أبدا فعادة ما تطول الطريق حين نريدها أن تطوى تطول لتسمح لنا بمراجعةكل شيء.. ورؤية كل شيء مرة أخرى..
ذكر كم بكى يوم علم بأن أخاه الجديد أصم ذكركيف كان محمد يتقي عنه كل مكروه وذكر كيف كان يدهشه حنان أخيه وقلبه الذي وسعهمجميعا وقوته التي جعلت منه رجلا قبل أوانه أحبه جدا فكان بالنسبة إليه عزاءالدنيا في رحيل أبيهما ثم عيناه اللتان كلما نظر إليهما اجتذبتاه عميقا حتى ظنأنه لا قعر لنظراته وأن الله خلقه أصم لأنهم لن يقدروا على استيعاب ماتأتي بهدواخله اللامنتهية..
فكان أن جعله كقطعة من فؤاده يصاحبه دوما فنقل إليه ولعهبالخيول وعلمه قنص الثعالب التي قد تغير على خم الدجاج ليلا وكان الوحيد الذييشاركه ركوب أدهم.

كل هذا رآه مرة أخرى فازداد اضطرابه وقلب المحب لايخطئ.. تمنى أن يخيب إحساسه اشرأب بعنقه ليتطلع إلى ما وراء السياج الذي يرابط علىحدود الأرض وهنا هنا بالذات بدأت المأساة حين سمع بوق شاحنة ينفخ بغضب ويتوعد منبعيد..
بلغ الشارع أخيرا كان يرى بوضوح محمدا يمشي الهوينى على صهوة الجوادفي جانب الطريق والشاحنة المجنونة تتقدم يعلو هدير محركها و زعقات البوق المتكررة
ومهما علا صوتها فماكان لمحمد الغارق في ملكوته ليسمعها أبدا !
ركض مرةأخرى بكل جزء من جسمهكمن يتمسك بآخر ذرة أمل..كان يلوح بيديه لأخيه متضرعا إلىالسماء عساه يراه ويبتعد عن الطريق مرة ومرة أخرى يشير إلى سائق الشاحنة..
وتوقف كل شيء فجأة وهوى..
يقولون إن الكوارث تتوالى أحيانا بشكل يبعث علىالدهشة لكننا أمام تعقد الترتيبات والتوازن الذي ينبني عليه تدبير الكون نقفعاجزين تماما.. بعقولنا الصغيرة التي تتطاول أحيانا لتحاول إدراك ما يغيب عنها.
كانت الأرض تدور أشباح تتراقص حواليه شاحنة وحصان وفتى تدور في غير نسقيرتفع صهيل ووقع حوافر يغالبه هدير المحرك وصوت فرامل كانت الشاحنة مصرة علىملاحقة الحصان الشبح وكان راكبه شفافا يرى ما وراءه من خلاله وتشتد بعد ذلكالعتمة.. ويظلم كل شيء !
حين استفاق وجد نفسه وسط بركة من الدم القاني وعنجانبيه جسدان أحدهما لحصان جريح لازالت أنفاسه البطيئة تسمع خافتة والآخر هامدلفتى جميل.. مهشم الرأس. وشاحنة تمضي في الأفق غير عابئة كأن شيئا لم يكن.
وظلحسام مستلقيا بجانب جثة أخيه كان يبكي حينا ويضرب رأسه بالأرض حينا آخر يعفروجهه بالتراب الذي سقته دماء أخيه النقية الطاهرة أنقى من الدنيا كلها كان يراهاأطهر من كل النفوس الحقودة وأجل من كل الضمائر الميتة لو لم يكن محمد معاقا لكانبطلا كبيرا لو أنه.. وتغرق عينيه أمواج من الدموع الحارقة..
وهكذا مرت الأيامثقيلة بوجعها عليه وصورة محمد الغارق في دمائه لم تفارقه يوما ولم يكن يهزه غيرالكلام الذي سمعه في القرية حين زارها آخر مرة..
يقولون إن الفارس لم يعديظهر..
قال لهم شيخ المسجد لاشك أن فارسا جديدا يستعد ليحمل بندقيته القديمة.. يمتطي الحصان الشبح الأدهم..
فكيف تعيش هذه القرية بدون الحصان الشبح وفارسهالملثم؟