أسرى وشهداء

عروس بفستان الشهادة تودع خطيبها وذويها وتذهب لتنتقم لأبناء جلدتها


 

امتزجت الزغاريد بالبكاء فاليوم عرسها وإن لم تلبس الفستان الأبيض وتزف إلى عريسها الذي انتظرت يوم زفافه ما يزيد على عام ونصف!! وارتدت بدلاً منه بدلة الجندية والكوفية الفلسطينية وتزينت بدمها الأحمر الحر لتحوله إلى عرس فلسطيني يدخل البهجة والفرح على قلب أم كل شهيد وجريح.

كان المتوقع أن تقيم آيات محمد الأخرس حفل زفافها كأي فتاة في العالم بعد شهور قليلة من بعد استشهادها ولكنها أبت إلا أن تزف ببدلة الدم التي لا يزف بها مثلها لتصنع مجد شعبها الفلسطيني بنجاحها في قتل وإصابة عشرات المحتلين الصهاينة في عملية بطولية ناجحة نفذتها في قلب الكيان الصهيوني.

عرس لا عزاء

تحدثت والدتها الصابرة والمحتسبة عن آخر لحظات رأت فيها ابنتها:” استيقظت آيات مبكرة على غير عادتها وإن لم تكن عينها قد عرفت النوم في هذه الليلة وصلت الصبح وجلست تقرأ ما تيسر لها من كتاب الله وارتدت ملابسها المدرسية لتحضر ما فاتها من دروس فاستوقفتها وذكرتها بأن اليوم الجمعة أي عطلة رسمية في جميع مدارس الوطن! ولكنها أخبرتني أنه أهم أيام حياتها فدعوت الله أن يوفقها ويرضى عنها”.

وتكمل الأم: “وما كدت أكمل هذه الجملة حتى لاحظت بريق عينيها وكأني دفعت بها الأمل ووهبتها النجاح في هذه الكلمات فنظرت إلى بابتسامتها المشرقة وقالت: هذا كل ما أريده منك يا أمي وخرجت مسرعة تصاحبها شقيقتها سماح إلى المدرسة”.

العلم لآخر رمق

الشهيدة “الأخرس” من مواليد 20-2-1985 طالبة في الثانوية العامة مرتبتها الرابعة بين أخواتها السبع وإخوانها الثلاثة عرفت بتفوقها الدراسي حيث حصلت على تقدير امتياز ورغم معرفتها بموعد استشهادها فإنها واصلت مذاكرة دروسها وقضت طوال ساعات آخر ليلة تذاكر دروسها وذهبت إلى مدرستها لتحضر آخر درس تعليمي لتؤكد لزميلاتها أهمية العلم الذي أوصتهم به.

وحول ذلك تؤكد زميلاتها بضرورة الاهتمام بالدراسة والحرص على إكمال مشوارهن التعليمي مهما ألم بهن من ظروف وأخطار.

وتضيف هيفاء التي ما زالت ترفض أن تصدق خبر استشهاد آيات: ” كانت تحتفظ بكافة صور الشهداء في مقعدها الدراسي الذي كتبت عليه العديد من الشعارات التي تبين فضل الشهادة والشهداء ولكن لم نتوقع أنها تنوي أن تلحق به فهي حريصة على تجميع صور الشهداء منذ مطلع الانتفاضة وهي أشد حرصاً على أن تحصد أعلى الدرجات في المدرسة”.

عروس فلسطين

وتستطرد والدة آيات بعد أن سقطت دمعة من عينها أبت إلا السقوط:” وعادت شقيقتها سماح مع تمام الساعة العاشرة بدونها فخفت وبدأت دقات قلبي تتصارع فالأوضاع الأمنية صعبة جداً والمخيم يمكن أن يتعرض للاقتحام في أي لحظة وغرقت في هاجس الخوف ووابل الأسئلة التي لا تنتهي أين ذهبت؟ وهل يعقل أن تكون قد نفذت ما تحلم به من الاستشهاد؟ ولكن كيف؟ وخطيبها؟ وملابس الفرح التي أعدتها؟ وأحلامها؟”.

وبينما الأم في صراعات بين صوت عقلها الذي ينفي ودقات قلبها التي تؤكد قيامها بعملية استشهادية وإذ بوسائل الإعلام تعلن عن تنفيذ عملية استشهادية في نتانيا وأن منفذها فتاة تقول وقد اختنقت عباراتها بدموعها: “فأيقنت أن آيات ذهبت ولن تعود وأصبحت عروس فلسطين فقد كانت مصممة على أن تنتقم لكل من “عيسى فرح” و “سائد عيد” اللذين استشهدا إثر قصف صاروخي لمنزلهما المجاور لنا”.

صناعة الموت

 كانت آيات تحلم بأن ترتقي شهيدة في سبيل الله ولكن طبيعتها الأنثوية كانت أكبر عائق أمامها فقضت أيامها شاردة الذهن غارقة في أحلام الشهادة حتى نجحت الشهيدة وفاء إدريس بتنفيذ أول عملية استشهادية تنفذها فتاة فلسطينية وزادت رغبتها في تعقب خطاهم وحطمت كافة القيود الأمنية واستطاعت أن تصل إلى قادة العمل العسكري ليتم تجنيدها في كتائب شهداء الأقصى رغم رفضها السابق إتباع أي تنظيم سياسي أو المشاركة في الأنشطة الطلابية.

وأكدت والدة الأخرس أنها كانت تجاهد نفسها لتغطي حقيقة رغبتها بالشهادة التي لا تكف الحديث عنها وقولها: ” ما فائدة الحياة إذا كان الموت يلاحقنا من كل جانب؟ سنذهب له قبل أن يأتينا وننتقم لأنفسنا قبل أن نموت”.

   انتظرته طويلاً

أما شقيقتها المقربة منها سماح الطالبة في الصف العاشر فقد فقدت وعيها فور سماعها نبأ استشهاد شقيقتها آيات رغم علمها المسبق بنيتها تنفيذ عمليتها البطولية وتصف لنا لحظات وداعها الأخير لها فتقول بصوت مخنوق بدموعها الحبيسة:” رأيت النور يتلألآ في وجهها ويتهلل فرحاً لم أعهده من قبل وهي تعطيني بعض حبات الشوكولاته وتقول لي بصوت حنون: صلي واسألي الله لي التوفيق وقبل أن أسألها:على ماذا؟ قالت لي: اليوم ستبشرين بأحلى بشارة فاليوم أحلى أيام عمري حيث انتظرته طويلاً هل تودين أن أسلم لك على أحد؟ فرددت عليها باستهزاء: سلمي على الشهيد محمود والشهيد سائد لأني على يقين أنها لن تجرؤ على تنفيذ عملية بطولية فحلم الاستشهاد يراود كل فتاة وشاب وقليل جداً من ينجح منهم ثم سلمت علي سلاماً حاراً وغادرتني بسرعة لتذهب إلى فصلها”.

وسكتت سماح برهة لتمسح دموعها التي أبت إلا أن تشاطرها أحزانها وتابعت:” شعرت أن نظراتها غير طبيعية وكأنها تودع كل ما حولها لكني كنت أكذب أحاسيسي فأي جرأة ستمتلكها لكي تنفذ عملية استشهادية؟ ومن سيجندها وهي ترفض الانضمام إلى منظمة الشبيبة الطلابية؟ ” ولكنها سرعان ما استدركت قائلة: “هنيئا لها الشهادة فجميعنا مشروع شهادة”.

 

خطيبها

أما  شادي أبو لبن زوج آيات المنتظر فقبل ساعات قليلة من استشهادها كانا يحلقان معاً في فضاء أحلام حياتهما الزوجية وبيت الزوجية الذي لم ينتهيا بعد من وضع اللمسات الأخيرة له قبل أن يضمهما معا بعد انتهائها من تقديم امتحانات الثانوية العامة وكاد صبرهما الذي مرّ عليه أكثر من عام ونصف أن ينفد وحلماً بالمولود البكر الذي اتفقا على تسميته “عدي” بعد مناقشات عديدة وكيف سيربيانه ليصبح بطلا يحرر الأقصى من قيد الاحتلال.

ولكن فجأة وبدون مقدمات سقط شادي من فضاء حلمه على كابوس الاحتلال؛ ففتاة أحلامه زُفَّت إلى غيره وأصبحت عروس فلسطين بعدما فجرت نفسها في قلب الكيان الصهيوني.

طرق شادي باب أهلها طالباً يدها أول سبتمبر من العام 2000 يقول بعبارات امتزجت بالدموع: “خططنا أن يتم الفرح بعد إنهائها لامتحانات الثانوية العامة هذا العام لكن يبدو أن الله تعالى خطط لنا شيئا آخر لعلنا نلتقي في الجنة كما كتبت لي في رسالتها الأخيرة”.

 “كانت أحب إليّ من نفسي عرفتها قوية الشخصية شديدة العزيمة ذكية تعشق الوطن محبة للحياة تحلم بالأمان لأطفالها؛ لذلك كان كثيراً ما يقلقها العدوان الصهيوني” وأردف قائلا: “كلما حلمت بالمستقبل قطع حلمها الاستشهاد؛ فتسرقني من أحلام الزوجية إلى التحليق في العمليات الاستشهادية وصور القتلى من العدو ودمائنا التي ستنزف بها معا إلى الجنة؛ فنتواعد بتنفيذها معا”.

واستطرد شادي -وقد أشرقت ابتسامة على وجهه المفعم بالحزن- فقال: “لقد كانت في زيارتي الأخيرة أكثر إلحاحا علي بأن أبقى بجوارها وكلما هممت بالمغادرة كانت تطلب مني أن أبقى وألا أذهب وكأنها تودعني أو بالأحرى تريد لعيني أن تكتحل للمرة الأخيرة بنظراتها المشبعة بالحب لتبقى آخر عهدي بها”.

ورغم أن شادي حاول جاهدا أن يظهر الصبر على فراق آيات ليبوح لنا بأمنيته الغالية: “كنت أتمنى أن أرافقها بطولتها ونُستشهد معا فهنيئا لها الشهادة وأسأل الله أن يلحقني بها قريبا!”.

  كفاكم تخاذلاً

وكانت آيات قد نفذت هجومها على مجمع تجاري في مدينة القدس المحتلة مما أدى إلى مقتل 3 من الصهاينة على الأقل وإصابة ما لا يقل عن 20 آخرين بجروح.

وقد ظهرت آيات الأخرس في شريط مصور قبل استشهادها ووقفت بثقة تغطي رأسها بالكوفية الفلسطينية وخاطبت الحكام العرب مباشرة: “كفاكم تخاذلا”.

وأكدت في وصيتها المصورة بأنها قررت الاستشهاد دفاعا عن الأقصى وعن فلسطين وختمت وصيتها بالقول: [وأقصاه والله أكبر على الظالمين.

وستبقى عروس فلسطين آيات الأخرس مثلا وقدوة لكل فتاة وشاب فلسطيني ينقب عن الأمن بين ركام مذابح الاحتلال ويدفع دمه ومستقبله ثمنا لهذا الأمن.