حوارات خاصة

الريفي :لحظة استشهاده صراع مابين عودته وتحقيق أمنية الشهادة


 

غزة: مها شهوان

أم ليست كباقي النساء فرغم ألم الفراق والاشتياق لولدها الذي تفخر كل أم مؤمنة أن يكون لديها ولد مثله يخطف ويقتل جنود اغتصبوا أرضه إلا أن هذه السيدة صابرة محتسبة أمرها عند الله عز وجل .

 والدة الشهيد القسامي “أسد الجبل” محمود الريفي تفخر بولدها الذي نال شرف الشهادة في سبيل الله مثلما كان يتمنى ليتنعم بجنان رب العالمين بدلا من الحياة الدنيا وملهياتها الزائلة.

شرف الشهادة

بكلمات يملؤها الشوق والحنين لولدها تحدثت أم محمود عن بداية التحاقه  بكتائب القسام قائلة:” دخل محمود القوات الخاصة وهو بعمر الـ17 عاما فقد جاءني قبل أن يقبلوه لأكتب له تقريرا ليوافقوا على التحاقه بالقوات الخاصة غير أنهم رفضوه لصغر سنة وحاول معهم عدة مرات ليقبلوه ونجح حينما جرح أصبعه وبصم لهم بدمه ليثبت لهم بأنه فداء للوطن وعلى الفور تم الموافقة عليه رغم صغر سنه”.

محمود كان شاباً ملتزماً يؤدي جميع الصلوات في المسجد القريب من بيتهم وكان يصر على صيام يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع وقيام الليل إلى جانب مشاركته بالأعمال الخيرية دون أن يعلم أحد بأنه يقوم بتلك الأعمال لأنه كان يعتبرها سرا بينه وبين رب العالمين بحسب أمه.

وتابعت:”دائما ما كان يطلب من رب العالمين بأن ينال شرف الشهادة في يوم الاثنين ويقتل ويأسر جنود فالحمد لله كان له ما تمنى لأن نيته خالصة لله عز وجل منذ نشأته” .

وأشارت والدته إلى أنه لم يكن حاصلا على شهادة الثانوية العامة فقد كان ينوي أن يحصل عليها في العام الذي استشهد فيه من أجل والديه لافتة إلى أنه دائما ما كان يردد بأنه سيحصل على شهادة أرفع وأعلى من الشهادة المدرسية ليفخروا به.

جلست والدته مسترجعة شريط الذكريات لآخر أيام قضاها محمود قائلة:” في بداية الحرب الأخيرة على القطاع كان يشارك في إمداد المرابطين بالسلاح فقد خرج يوم الأربعاء من الأسبوع الأول للحرب وعاد يوم الخميس بالليل وكانت ملابسه مبللة حاولت أن أدفأه لكنه لم يهتم وكنت في انتظاره عند عودته لنفطر سويا فقد كان صائما وحينما انتهى من الأكل رأى بعض من المقاومين مرابطين في منطقتنا فما كان منه إلا أن قام وأعد لهم الطعام على الشمعة وبابور الكاز” .

وأضافت أم محمود بعدما عاد محمود إلى البيت أخذت أنظر إليه باشتياق شديد وأبكي بالرغم منه أنه كان يجلس أمامي ومن شدة اشتياقي له في تلك الليلة جعلته ينام في حضني مستذكرة بأنها في تلك الليلة كلما سمعت صوت القصف قامت منتفضة للاطمئنان عليه دون بقية إخوته وكأن رب العالمين ألهمها بأن تودعه.

وقبل أن يخرج محمود من البيت جلس للحظات في غرفته محدقا بكل شيئا من حوله وكأنه يودعه فلم يكن محمود يقبل بأن يعطي اللثام الخاص به لأحد من إخوته لكنه قبل أن يخرج من البيت في ذلك اليوم أعطاه لأخيه الصغير وذلك بحسب رواية أمه التي أردفت قائلة:”حينما خرج من البيت في الصباح شعرت بأنه استشهادي لكنه لم يشعرني بذلك وفي كل مرة كان يخرج فيها لم أقبله إلا أنني هذه المرة أقبلت عليه واحتضنته بشدة حينما ودعته وسلمت عليه كانت ملامحه متغيرة تماما”.

كرامات الشهيد

وذكرت أم محمود بأن أخبار ابنها بقيت مقطوعة عنهم لمدة ثلاثة أيام وطيلة هذه الفترة كان قلبها يلهج بالدعاء له ليثبت في المعركة ليعطيه رب العالمين ما يتمنى مضيفة بأنه اتصل عليها صبيحة استشهاده وقال لها :اطمئني علي أنا بمكان آمن وطلب منها أن تدعو له ليثبت بالمعركة ويكون آخر قوله هو نطق الشهادة.

وتابعت ودموع الشوق والحنين كادت أن تسقط على وجنتيها:”بعدها إطمأنيت عليه قرأت سورة ياسين سبعة مرات وذهبت لأعد طعام الغداء فكنت أحرك الطعام وأصارع نفسي بأن يأتي محمود ليأكل معنا وبذات الوقت كنت أطلب من ربي له الثبات ليعود شهيدا وفي تلك الأثناء جاءني ابني الكبير وبدون مقدمات قال لي:” محمود استشهد” .

وفور تلقيها لنبأ استشهاد فلذة كبدها شكرت ربها وتوجهت لتصلي ركعتين شكرا لله بأن تحقق لمحمود ما تمنى بأن يستشهد يوم الاثنين.

محمود الذي استشهد وعمره الـ18 عاما استطاع حسب مسئوليه ومن كان معه من المرابطين أن يقتل ستة جنود ويأسر جنديين آخرين إلا أن طائرات الاحتلال قصفته حينما رأته يختطف الجنديين فأطلقت الرصاص والصواريخ عليه وعلى الجنديين ليستشهد محمود ويقتل الجنود.

 

 

وروت أم محمود بأن صديق لابنها كان يرافقه في رحلة استشهاده أخبرها بأنه رأى كرامات الشهيد بمحمود ذاكرا لها مشهد لن ينساه طيلة حياته حينما أحاطتهم الجمال من كافة النواحي وكانت تنظر إلى محمود لكن حينما كان ينظر صديقه إليها تلف وجهها عنه وقد ماتت تلك الجمال حينما استشهد محمود.

وذكر لها أيضا بأنهم حينما كانوا يطلقون النار على جنود الاحتلال اقترب الجنود منهم إلا أنه ومحمود احتموا في خندق صغير لا يتسع لقطة أن تدخله لكن قدره إلهية تدخلت لحمايتهم وهذا ما أذهل جنود الاحتلال.

كما وروى صديقه أيضا لوالدة محمود بأنه حينما أنهت محادثتها الأخيرة مع محمود عبر الجوال وأخبرها بأنه عطشان وطلب منها الدعاء له تمكنوا بعدها من إيجاد مصنع على الخط الشرقي دخلوا إليه وشربوا الماء ونظفوا ملابسهم من الأتربة وتوضؤا للصلاة بعدها خرجوا من المصنع ووجدوا اليهود يحيطون بالمكان فتمكن محمود وصديقه من الفرار وذلك حينما قام محمود بهدم أحد جدار المصنع بقدرة إلهية.

أم محمود تحن وتشتاق لرؤية ولدها وكثيرا حينما يُطرق الباب تتمنى أن يكون هو من يطرقه ويدخل عليها ليحتضنها كما في السابق لكنها في الوقت ذاته تفخر بشهادته وتتمنى لباقي أولادها الشهادة لينعموا بالخيرات التي يتمتع بها ولدها في جنان النعيم.