مقدمـــة الكتـــاب
بسم الله الرحمن الرحيم
” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” آل عمران 200
تعرَّض قطاع غزة المحاصر في أواخر عام 2008م وبداية عام 2009م لأبشع هجمة واجهها الشعب الفلسطيني منذ احتلاله.
فقد حاول العدو تركيع أهالي القطاع بشتى الوسائل وإجبارهم على التخلي عن خيارهم الديمقراطي يوم انتخبوا حركة المقاومة الإسلامية – حماس في بداية عام 2006م فتكالب الجميع على محاربة هذا الاختيار وحاولوا ثَنْي الشعب عن دعم خيار المقاومة المتمثل في التفافه الجماهيري الواضح حول الحركة فكان العقاب الجماعي له من خلال فرض حصارٍ كاد يدخل عامه الخامس وشاركت به عدة جهات.
عندما تأكد العدو الصهيوني أن الحصار لم يُجدِ نفعاً وأن قوة الحركة تزداد يوماً بعد يوم شنُّوا حربهم الشعواء على قطاعٍ لا تتجاوز مساحته 360 كيلو متر مربع وألقوا بنصف عتادهم الجوي عليه وتفنَّنوا في اختيار أكثرها تدميراً وحرقاً وتخريباً فاستخدموا الفسفور الأبيض وقنابل الدايم وقنابل تُطلِق شظايا لقطع الأطراف محرمة دوليًّا؛ مما أدَّى إلى بتر أطراف المئات من المواطنين غالبيتهم من الأطفال فالعدوان على غزة لم يكن ضد طرف سياسي معين؛ بل كان ضد الأهالي ككل.
استمرت الحرب مدة ما يقارب الشهر وراح ضحيتها ما يزيد على 1400 شهيدا ما بين رجال شرطة ومقاومين وشباب ونساء وأطفال في مجازر لم يشهد التاريخ همجيتها وقسوتها خاصة وأنها كانت تستهدف إبادة عائلات بأكملها كعائلة السموني وريان والداية وغيرهم.
بعد انقشاع الغمَّة وانسحاب آليات الاحتلال بعد فشلهم في تحقيق أهدافهم من هذه الحرب والتي كان أبرزها القضاء على روح المقاومة في قطاع غزة تكشَّفت مآسٍ كثيرة خلَّفتها دبابات الاحتلال وآلياتهم مجازر هي الأبشع في حق من عاشوا إنسانية القرن الواحد والعشرين وتغنوا بإعلاء شأن الإنسان وحقوقه.
كان لزاماً علينا كمؤسسة أخذت على عاتقها توثيق معاناة هذا الشعب المحتل وتضحياته وبالمقابل صور جهاده؛ أن تقوم بتوثيق هذا الاستهداف البشع لعائلات كانت آمنة في بيوتها ولا ذنب لها إلا أنها فلسطينية غزيَّة وذلك من أجل المحافظة على الذاكرة الفلسطينية المتهمة دائماً بأنها قصيرةفكثيرٌ من فصول تاريخ الشعب الفلسطيني ضاعت بسبب عدم التوثيق بينما عدونا يصنع له وجوداً وتاريخاً من العدم فكان هذا الكتاب الذي هو جزءٌ من رواية الفلسطينيين الذين يعانون من صلف الاحتلال ومحاولاته الحثيثة لتزوير التاريخ ولإيماننا أيضاً بأهمية أن يعلم العالم كله بشاعة المحتل الصهيوني ودمويته وذلك من خلال العرض المفصَّل لتفاصيل الجرائم وعدد الشهداء والجرحى ولأهمية التوثيق في عالم لا يعترف إلا بما تراه عينه وتسمعه أذنه فهذا الكتاب جزءٌ من جهد جماعي لفضح الاحتلال وتعريته أمام المحافل الدولية ومحاكمة من يقفون وراء هذه المجازر من مجرمي الحرب الصهاينة.
نبعت فكرته يوم قام الفريق الفني في مركز نساء من أجل فلسطين بزيارة مناطق الدمار بعد الحرب مباشرة لتصوير فيلم وثائقي عن معاناة الأهالي أثناء الحرب فكان فيلم (غزة الألم والصمود) ولأن المعاناة كانت أكبر من أن يستوعبها فيلم لا تتجاوز مدته الثلاثين دقيقة جاءت فكرة أن يتم توثيق هذه المعاناة في كتاب يبقى شاهد على الجريمة وتستوعبه الأجيال القادمة.
ولهذا كله عمدنا إلى تسجيل كل تفاصيل الجرائم في كتاب استغرق منا جمعه عام كامل وذلك من خلال تشكيل فريق عمل من المراسلات الصحفيات جابوا القطاع كله من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه والتَقَْوا بالعائلات التي استهدفها العدو الصهيوني حيث استمعوا منهم مباشرة لتفاصيل المجازر وقد استغرقت هذه المرحلة عدة شهور ومن ثََمَّ بدأت عملية الإعداد و التحرير ثم المراجعة والتدقيق اللغوي؛ لنخلص في النهاية إلى رواية دقيقة لمجريات وتفاصيل الأحداث.
صعوبات واجهت البحث:
– واجه فريق العمل الكثير من الصعوبات التي أعاقت إنجاز العمل وفق المدة المحددة له حيث كانت الحرب سبباً في تشتت العائلات وتفِّرقها بعد استهدافها ما بين شهيد وجريح (خاصةً أن البعض منهم سافر إلى الخارج للعلاج) وآخرون لجئوا إلى بيوت الأقارب في مناطق بعيدة عن أماكن سكناهم بعد تدمير منازلهم مما أسهم في تعذر الوصول إليهم بسهولة ولكن رغم ذلك تم الوصول إلى معلومات دقيقة عن مجريات الحدث وتفاصيل القصص المأساوية التي تعرض لها هؤلاء فبرغم الألم ما زالت ذاكرتهم حية بتفاصيل الجريمة ورَوَوْها وكأنها كانت اليوم.
– كما كان لكثرة التفاصيل وعدم ترابطها في بعض الأحيان وتناقض الروايات واختلاف أسماء الأشخاص في العائلة الواحدة خاصة الزوجة التي تحمل اسماً مختلفاً عن زوجها وأبنائها مما يشكل صعوبة في ربط علاقات الأشخاص ببعضهم البعض سواء كانوا آباءً أم أبناءً أم بني عمومة.
منهجية التوثيق:
تم استخدام المنهج الوصفي التاريخي في سرد الأحداث وذلك من خلال شهادات الشهود أنفسهم ثم استقراء ما تجمَّع من معلومات وأرقام حول هذه المجازر وعددها وتفاصيلها.
– تم إحصاء تسعة وثمانين عائلة مستهدفة أُنجز منهم ثمانية وثمانين عائلة كما تم أخذ رواية شخص شاهد على الجريمة وإضافة أكثر من راوي في بعض الحالات.
– تناولت الدراسة العائلات التي قدَّمت شهيدين فما فوق ولم يتم تناول العائلات التي استشهد أبناؤها في المراكز الأمنية ولا المقاومين فقد تخصّص هذا البحث في توثيق الاستهداف الذي لحق العائلات التي كانت آمنة في بيوتها أو كانوا في الشوارع أو الأماكن التي لجئوا إليها كالمدارس وبيوت الأقارب وغيرهما.
– تم وضع اسم الراوي وعمره ودرجة القرابة.
– تناولت الرواية الحدث بتفاصيله الدقيقة وترتيبها الزمني .
– تم ترتيب الروايات مسلسلة وفق يوم وقوع الحدث وساعة وقوعه وترتيبه في مكانه المخصص له في مبحث خاص بكل أسبوع من الأسابيع الأربعة التي شكلت المدة الزمنية للحرب.
– تم وضع أكثر من رواية لأكثر من شخص بحيث يحدث التكامل في التفاصيل من خلال تعدد الرواة.
– تم الاستعانة بما كُتب من روايات في المواقع المختلفة ومقارنتها بما تم جمعه من معلومات من وسائل الإعلام حين تعذر الوصول إلى بعض العائلات .
محتويات الدراسة :
احتوت الدراسة على تمهيدٍ بعنوان:” مقدمات لا بد منها” استعرض من خلاله الدكتور زكريا السنوار أستاذ التاريخ في الجامعة الإسلامية بغزة والذي تفضل مشكوراً بكتابة الفصل التمهيدي الخاص بأسباب الصراع العربي الصهيوني كمدخل لفهم طبيعة العقلية التي تعامل من خلالها العدو مع أهالي غزة أثناء الحرب.
– كما تضمنت الدراسة أربعة مباحث احتوى كل مبحثٍ منهم على أحداث أسبوع من أسابيع الحرب الأربعة حيث تضمن كل مبحث تفاصيل الأحداث التي وقعت في أيامه السبعة من مجازر بحق العائلات الفلسطينية وفق ترتيب زمني معين (الأسبوع اليوم التاريخ الساعة).
يليه خاتمة تستعرض النتائج والتوصيات الخاصة بالدراسة تبعها عدة ملاحق توضيحية تم من خلالها استعراض إحصائيات خاصة بالمؤسسة نفذها فريق العمل من خلال استقرائه المعلومات التي تجمعت لديه ثم كان هناك ملحق لتقرير مقتطف من تقرير نشر عن الحرب في مجلة “هيومن رايتس” والذي كان لا بد من إرفاقه لتوضيح طبيعة الأسلحة المستخدمة في الحرب حيث عزز هذا التقرير ما ورد في الكتاب من معلومات وتفاصيل.
لحقه ملحق خاص بصور الحرب تم انتقاؤها من مجموعات كثيرة لعدة مصورين التقطوها خلال الحرب لتبرز بشاعة الجريمة وعنجهية المحتل.
وختاما نتقدم باعتذارنا إلى العائلات التي لم نستطع الوصول إليها وتوثيق معاناتها بالكيفية التي أردناها وذلك بسبب عدم توفر معلومات عن أماكن سكناهم بعد تهجيرهم من بيوتهم وتفرّقهم ما بين المستشفيات وبيوت الأقارب.
هذا جهد المُقِل فإن وُفقنا فيه فمن الله وإن قصَّرنا فمن أنفسنا ندعو الله أن يتقبله منا إنه سميع الدعاء .
أ. ابتسام مصطفى صايمة
مديرة مركز نساء من أجل فلسطين
الأول من ديسمبر 2009م










