بعيداً عن الإعلام وعن قلوب وضمائر دعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان في هذا العالم وبين أحد المنازل في مدينة غزة ترقد والدة الأسير مروان الزرد في فراشها منذ سنوات ويشتد عليها المرض يوماً بعد يوم وتثقل الهموم وحرقة الشوق والانتظار لابنها حملها حتى لم يعد قلبها الضعيف الحنون يقوى على شيء سوى البكاء والخوف من أن يطرق الموت بابها قبل أن يطرقه مروان الغائب والمغيب من قبل الاحتلال منذ 17 عاماً.
“إنعام إبراهيم الزرد” البالغة 56 عاماً من عمرها لا تتميز معاناتها كونها أم أسير كبقية أمهات الأسرى وإنما يتعدى تميزها في المعاناة والمأساة هذا الوصف لتصل إلى كونها مريضة وأسيرة كابنها تماماً وتعاني نفس المرض الذي يعانيه وتحتاج لإجراء عمليات جراحية حساسة يحرمها الوضع الصحي المتدهور في غزة وإغلاق المعابر من إجراءها وهي نفس حالة ابنها المحروم من إجراء العملية والعلاج من قبل إدارة السجن الذي يقبع فيه.
وتعاني والدة الأسير الزرد من ألآلام حادة في الظهر تستوجب عليها إجراء عملية جراحية حساسة في الغضروف لكن أمراضاً أخرى تقف حائلاً أمام قدرة هذه الأم على تحمل مثل هذه العمليات.
الخوف من اشتداد المرض
وتتحدث الأم ل”نساء من أجل فلسطين” عن ألوان المعاناة التي تتذوقها مع مرضها المضاعف يوماً بعد يوم وخوفها من كابوس الموت الذي يلاحقها قائلة “لم أعد أتحمل المزيد من المرض وأشعر كل لحظة بأني سأموت فالمرض يشتد يوماً بعد يوم ومن المفروض أن أجري عمليات في ظهري لكني لا أقوى عليها ولا على المعاناة على المعابر والمستشفيات ولذلك لا زلت أتناول المسكنات أملاً أن أعيش يوماً أو ساعة واحدة أرى فيها مروان”.
وتضيف أم الأسير وقد تقطع صوتها وذرفت دموعها من عينيها الصغيرتين المرهقتين “من فترة رفض الأطباء أن يجروا عملية في النخاع الشوكي لي لأنها حساسة وصعبة وقالوالي أنها ستنجح خارج غزة لكن أخاف أن أموت تحت أو بعد أي عملية وأموت قبل أنأكحل عيني برؤية مهجة قلبي مروان“.
ويقبع الأسير مروان الزرد في سجن نفحة الاحتلالي ومحكوم عليه مدى الحياة ويعاني الأسير من ألام شديدة في الصدر والظهر بدت عليه منذ سنوات نتيجة لمسيرة طويلة من التعذيب الذي تعرض له من قبلالسجانين أثناء التحقيق معه ونقله من سجن إلى أخر بصورة متواصلة.
وتفيد المؤسسات المعنية بالأسرى لذوي الأسير الزرد بأن إدارة السجن تمنع عرضه على طبيب أو إدخال الأدوية له داخل سجنه وتكتفي بإدخال حبوب مسكنةمرة كل أسبوع أو أسبوعين ونتيجة لذلك تزداد حالته الصحية تدهوراً كبقية زملائه الأسرى.
آهات ودموع
أهات تقطع القلوب ودموع تذيب الصخر رملاً..هكذا كان حال “أم مروان” وهي تئن للمجهول الذي يحف مصير ابنها داخل السجن وعدم قدرتها منذ سنوات على التواصل معه أو تلقي رسائل منه أو حتى سماع صوته عبر الهاتف.
تقول الأم التي أضحت حتى لا تقوى على الوقوف على قدميها “أه..أه 17 سنة لم أقبل مروان وما يحرق قلبي عليه أنني لا أعرف عنه أخبار ولا يصلني منه رسائل حتى صوته محرومة أن أسمعه أو أن أزوره منذ أربع سنوات”.
وتستحضر الأم أخر زيارة لابنها والتي كانت بعد 12 عام من أسره قائلة “حُرمت من رؤيته 12 سنة كاملة بعد أن اعتقلوه عام 1993 بعدها جاء إذن لي بزيارته وذهبت إليهحينها على كرسي متحرك وتعبت كثيراً في الطريق حتى لم أكن أصدق أني سأراه لكننيوصلت إليه وكانت أجمل وأصعب لحظة في حياتي”.
وتضيف “لم أتمالك نفسي حينما رأيته وكنت أتكئ على عكاز لكي أقوم وأحتضنه وهو يصرخ أمي أمي وكل من في السجن سمعوا صوته ووقفوا يتفرجون ويكبروا “الله أكبر” حتى الجنود هناك أثارهم مشهد لقاءنا فاحتضنته وأنا أصرخ بأعلى صوتي من كثرة الشوق والصدمة ولم أشعر بشيء حولي وأحسست بأنه سيعود معي إلى البيت حينها”.
وخلال حديثها عن ذلك اللقاء الذي بدت فيه لوعتها وأمومتها الممزوجة بابتسامة ممزوجة بالدموع توقفت أم مروان قليلاً حينما استدركت مفاجئتها وفاجعتها هي وابنها بإنهاء جنود الاحتلال للقاء الحميم بينهما بلمح البصر.
تقول “لم أشعر بتلك اللحظة كم كانت لكن فجأة جاء الجنود وإذا بهم يحاولون أن يفضوا بيننا وينتزعوا ابني من حضني وأنا وهو متمسكيْن ببعضنا بقوة حتى فرقوا بيننا ومروان يناديني وأنا أنظر إليه وأبكي يوصيني على صحتي من أجل أن يلتقي بي ويعود لينام في أحضاني يوماً ما”.
مأساتها “يوم الأم”
“عيد الأم” لهذا اليوم قصة معاناة أخرى مع أم مروان الزرد وفي هذا اليوم الذي يكرم فيه الأبناء في العالم أمهاتهم ويقدمون لهن أجمل الهدايا وأعبر الورود ترقد أم مروان كل واحد وعشرين من مارس على فراشها أمام شاشة التلفاز تراقب بحرقة أجواء يوم الأم وصور الأبناء وهم يزورون أمهاتهم ويحتضنوهن ويقدمون لهن أجمل التهاني والهدايا أما هي فتتخيل أجمل ذكريات هذا اليوم مع ابنها مروان واحتفاله به حتى وهو في سجنه.
تقول بكلمات لا تكاد تُفهم من عبراتها “ياويلي ياويلي من عيد الأم كيف يحرق قلبي وأنا محرومة من طلة مروان وانقطاع هداياه عني أذكره من طفولته كان يقول لي: كل يوم يا أمي عيد لكي حتى في سجنه كان يرسل لي الهدايا التي يصنعاها بيديه ويكتب عليها أحلى الكلام ويناديني بأجمل الصفات”.
وتتابع “غاب مروان وانقطعت الهدايا أو أي شيء من رائحته وسار هذا اليوم يوم حزن لي يزيد من همي فوق مرضي الذي يشتد عليا يوماً بعد يوم ليس فقط من الغضروف ومرضي في قدميا وإنما حالتي النفسية وطول البعاد أشد عليا منه”.
وتبقى لقاء الأم المريضة والسجينة في غزة المحاصرة وحياة ابنها المريض السجين في زنازين الاحتلال مرهونة بلحظة حرية يتطلع كلاهما إليها بشوق عميق يشتد كلما اشتد المرض وشعرت هذه الأم بقرب نهاية الأجل.










