حوارات خاصة

أم ميمنة تجسد النكبة الفلسطينية


 

تمر السنة ال26 على “أم ميمنة” وهي ما زالت لا تستطيع أن تحتضن ابنتها أو تقبلها أو حتى تكحل عينيها بأخر من تبقى لها من المجازر التي شهدتها طوال سنوات حياتها الأولى والتي كان أبشعها مجزرة “تل الزعتر” و”صبرا وشاتيلا” اللتين خرجت بعدهما وحيدة بعد أن استشهد 54 فرداً من عائلتها دون أن تعرف أن طفلتها ميمنة لا زالت على قيد الحياة إلا بعد مرور 24 عاماً التقت فيها الأم بابنتها لقاءاً حاراً على أحد شاشات التلفاز منذ عامين ومن يومها عادت الحدود لتفرق بين الأم وابنتها بعد أن عادت إلى قطاع غزة فيما بقيت ميمنة هناك في لبنان محرومة أن تلتئم كل منهما في بلد الأخرى.

ومع حلول الذكرى الثانية والستين للنكبة تعود “أم ميمنة” كما عُرفت أو رحاب كنعان لتشعر بمرارة كؤوس الجرح الفلسطيني التي تذوقتها ولا زالت تعيش على مرارتها حتى يومها هذا تستحضر ذاكرتها العذابات والآهات التي استحقت من أجل تحملها لها أن تكون إحدى خنساوات فلسطين.

مجسدة للجرح الفلسطيني

وأمام صورة قديمة تجمع عائلتها جلست “أم ميمنة” تتحدث ل”نساء من أجل فلسطين” عن النكبة الفلسطينية وتنطق باسم صمود اللاجئين الفلسطينيين مبتدئة بالأنين على فراق ابنتها وشوقها ولهفتها لأن تحقق حلمها بالعيش معها بقية أيام حياتها.

تقول “أم ميمنة” البالغة 52 عاماً من العمر “مرت السنوات وأنا أتذوق القهر والجرح الفلسطيني فاللجوء وفراق الأحبة يشعرني وكأنني لا زلت أعيش مجازر تل الزعتر وصابرا وشاتيلا وما يحرق قلبي أن ابنتي الوحيدة التي خرجت بها من تلك المجازر والذكريات الأليمة موجودة وأعجز أن أكمل بقية حياتي معها”.

وتستذكر الأحداث لتروي مأساتها في ضياع أفراد عائلتها خاصة “ميمنة” وتقول “عشت بين جمر الشتات وتنقلت من مخيم إلى مخيم فكانت رحلة عذاب طويلة ومريرة لشعبنا في لبنان بين المخيمات ففي بداية الأمر كنا في مخيم تل الزعتر واستشهد أبي وأمي وأشقائي الخمسة وشقيقاتي الثلاثة عام 1976.

وتضيف “استشهد من عائلتي أكثر من 51 شهيداً في ذلك العام من الأهل والأقارب وبعدها انتقلنا ما بين صبرا وشاتيلا ومخيمات أخرى في لبنان وكنت متزوجة في صبرا وشاتيلا وأعيش مع ابنتي ميمنة وابني ماهر الذي استشهد بعد معايشتنا لحروب لبنان التي كانت أبشع وأكبر جرح في حياتي”.

ولم تكن نجاة “أم ميمنة” من القتل لولا أنها كانت خارج المخيم عند بيت خالتها في صابر وشاتيلا فتفاجئت باستشهاد أهلها بعد عودتها إلى تل الزعتر.

تقول “كانت فاجعة كبرى فلم أتوقع أن تموت عائلتي بأكملها وتوقعت أن يكون جرح أو استشهد اثنان أو ثلاثة من العائلة لكنني لم أتوقع أن يستشهد 51 شخصاً من عائلتي وعدت إلى المخيم ولم أعرفه من صدمتي حتى أني بحثت عن أولادي ماهر وميمنة ولم أجد لهم اثر فتوقعت أن يكونا استشهدا وتأكدت بأن ماهر استشهد بعد فترة حينما قرأت اسمه في إحدى الصحف مع الشهداء”.

أكبر فرحة وصدمة

أما ميمنة فلم تتعرف عليها والدتها إلا قبل عامين بلقاء أبكى ملايين المشاهدين عبر شاشات التلفاز وحول هذه الحادثة تروي الأم صدمتها الشديدة التي لا زالت تسيطر عليها قائلة ” كان في اعتقادي أن ميمنة استشهدت وكان معي رقم هاتف خالتي في لبنان كنت أتصل به دوماً لكنه لم ينجح الاتصال وبعد خروجنا من تونس عدت إلى غزة مع زوجي الذي توفى عام 1999 وأثناء ترتيب أوراقي عثرت على رقم هاتف خالتي بين الأوراق فجربت أن أتصل غير متوقعة أن يكون هناك اتصال”.

وتتابع معبرة عن فرحتها التي صدمتها “كنت عند جارتي المسنة فطلبت الرقم من هاتفها وهنا كانت المفاجأة عندما نجح الاتصال وكان جسمي يرتعش من الفرحة فأجابت ابنة خالتي عندها قلت لها أنا رحاب من فلسطين من أنت؟ فقالت لي: ابنة خالتك فسلمت عليها وأبلغتها برقم هاتفي فوراً خشيت أن أفقد الاتصال وسألتها عن ابنتي ميمنة فأبلغتني أنها بخير وعلى قيد الحياة وهنا كانت الصدمة الكبرى فأخذت أصرخ وأبكي وكدت أفقد الوعي”.

فرحة غير مكتملة

“قولي لي ماما قولي لي ماما..” كانت أولى الكلمات التي نطقت بها ميمنة حينما رفعت سماعة الهاتف وقالت لأمها أنا ميمنة ابنتك وعبر أحد الشاشات روت الأم قصتها إلى أن تم الترتيب للقاء جمع بينهما دون علمهما.

تقول “اتصلت بي قناة أبو ظبي لعمل لقاء عبر التلفزيون وظننت أني فقط سأراها وسأروي مأساتي وسافرت إلى هناك ولم أكن أعلم أني سأراها أمامي وسأحضنها وهناك تفاجأت بابنتي تدخل الأستوديو ولم أتمالك نفسي فأغشي علي وكان ذلك الموقف الذي اهتز له الجميع أن ترى أم ابنتها فجأة بعد 24 عاماً من الفقدان”.

وبعد اللقاء جاءت القوانين والحدود لتفرق مرة أخرى بين الأم وابنتها التي لم تمكث معها سوى أسبوعين حتى عادت الأم إلى غزة والابنة للبنان دون أن يكون وضعهما داعياً لأن تُكسر الحدود ويلتم شملهما إلى الأبد”.

تقول الأم بحرقة “كانت حادثة مؤلمة في حياتي رغم أنها كانت فرحة عمري الوحيدة منذ الحرب والمجازر لكنها فرحة ناقصة فأنا الآن هنا في غزة وابنتي تتذوق الآلام وتتعذب في لبنان من بعدها عني ومعاناتها كبقية اللاجئين هناك وهذه في حد ذاتها نكبة أخرى”.

توقف الأم التي حصلت على لقب “خنساء فلسطين” فجأة عن الحديث واستلهمت بعضاً من أشعارها معلقة على لقبها هذا قائلة:

تشبهونني بالخنساء والخنساء مني إذ بكت اثنان الأهل وأربعة الفؤاد فما لبكائي عشرة الأهل والحادي فؤادي.

وقد صنعت الجراح التي لم تلتئم في قلب هذه الأم صنعت منها شاعرة وكاتبة حيث أن لها مؤلفات شعرية من أهمها تل الزعتر شاهد على التاريخ مملكة التنك جمهورية الثوار والبسمة المجروحة.

وبعد..فالعودة لا زالت الحلم الأكبر الذي تحنو هذه الأم لأن يتحقق يوماً من الأيام بل أنها تعيش على يقين بأنها ستعود وستلتقي بابنتها مستلهمة الصبر لنفسها من كونها فلسطينية وأنها تقطن في بقعة من فلسطين.