تقارير

في ذكرى الرحيل ثوابت لا تقبل التبديل


في ذكرى استشهاد الشيخ أحمد ياسين نستذكر مواقفه وتاريخة لحظاته التي لا تنسى والتي حفرها في عقول وقلوب أحبته و بين أقاربه في منزله المتواضع جدا في حي الصبرة بمدينة غزة ملأ المكان الحديث عن حياته العامرة بالأحداث عن سيرة قائد وحياة رجل عابد زاهد وعن تلك اللحظات التي سبقت استشهاده.

إخوته وزوجته وبناته يتحدثون عن الشيخ “الإنسان” !

الحاجة أم محمد أرملة الشيخ الشهيد

وتقول الحاجة أم محمد أرملة الشيخ الشهيد: إن الشيخ كان يشعر في الأيام الأخيرة أنه سوف يستشهد وأبلغ أهل بيته بذلك لكنه لم يبلغني مباشرة و قال الشيخ: أشعر أنني سوف استشهد وأنا أطلبها وأبحث عن الآخرة ولا أريد الدنيا.

أما سمية ابنة الشيخ فقالت: على غير العادة جمعنا والدي رحمه الله أنا وإخوتي قبل استشهاده بيوم واحد ورغم أن والدي اعتاد ما بين وقت وآخر جمعنا والجلوس معنا إلا أن جلسته الأخيرة هذه بدت أشبه بجلسة مودع وقال خلالها إنه يشعر بأنه سوف يستشهد وأنه يطلب الشهادة.

** طفولة الشيخ

وعن علاقة الشيخ بإخوته يقول شقيقه الحاج شحدة “(77عاما) : ” لم أشعر أنه كان أخاً بل كان ابناً لي وأنه خرج من صلبي.

لقد مات والدي ولم يبلغ أحمد الرابعة من عمره بعد كنا ثلاثة أشقاء أنا وأخي الجالس بجانبي هذا الحاج حسن “70 عاما” والأصغر الشيخ أحمد مضيفا أنه كان طالبا ومازال يدرس عندما توفي والده فتحملت بعدها عبء الأسرة من بعده حيث ترك والده ثلاثة أشقاء و6 بنات فكان لا بد عليه أن يقوم بتربيتهم وإعالتهم مضيفا أن والده أيضا كان قد تزوج من ثلاث نساء. وقال الحاج شحدة إنه عمل في البحر رغم أن مهنته ومهنة والده الأساسية لم تكن في يوم من الأيام النزول إلى البحر لكن شظف العيش دفعه لترك الدراسة والعمل لسد حاجات أسرته التي تركها له والده.

ويصمت الحاج شحدة ويستذكر أيام طفولته وطفولة أخيه أحمد ثم يقول: كان الشيخ مرحا ونشيطا و- بلُغته – “فهلوي” و”شاطر” وكان يذهب إلى معسكرات الإنجليز عندما كان طفلا صغيرا ولخفة ظله أحبوه وكانوا يداعبونه دائما حتى أطلقوا عليه “عبد الله بلبل” ويضيف الحاج شحدة بدأت أعلمه مثل ابني حتى تعلم وأصبح يستطيع القراءة وكان مجتهدا منذ نعومة أظافره وكان يجمع الأطفال حوله ويلقي عليهم ما تعلمه وحفظه.

ويضيف “أدخلته المدرسة في الجورة حتى وصل إلى الصف الرابع حينها بدأت هجرتنا من بلادنا وانتقلنا بعدها أنا والأسرة إلى منطقة الحرش ثم وادي غزة وعندما هدأت الأوضاع انتقلنا إلى مخيم الشاطئ بغزة.

كان أحمد – يقصد الشيخ – يتمتع بذكاء حاد بل كان أكبر من سنه فعندما شعر أن العبء أصبح ثقيلا على كاهلي عرض عليّ أن يساعدني في سد احتياجات الأسرة وقال لي “أنا بدي أشتغل وأجيب مصاري هات لي وابور وآلة علشان بدي أعمل فلافل واعمل لي خيمة على البحر علشان أبيع وأصرف على أخواتي البنات”. مشددا أنه كان يرى في شخص الشيخ منذ طفولته أنه سيصبح في يوم من الأيام ذا شأن كبير ويضيف الحاج شحدة “اشتريت له ما أراد من حاجيات الفلافل التي طلبها”.

وعندما بلغ الشيخ أحمد سن العاشرة طلب مني أن يعود للدراسة ويلتحق بالمدرسة من جديد أدخلته مدرسة الإمام الشافعي حتى بلغ الثانية عشرة من عمره ووصل إلى الصف السادس الابتدائي وكان حينها يعلمه المدرّسان محمد أبو دية وفؤاد عيسى يوسف في مدرسة الإمام الشافعي في سوق فراس. وفي يوم من الأيام وعندما كان يومها الشيخ يمارس هوايته في اللعب أحضر مجموعةٌ من الأطفال الشيخ أحمد وهم يحملونه بين أيديهم وصعقت من هول المشهد لقد فقد الشيخ أحمد حينها القدرة على الحركة إلا أنه قال لي لا تزعل “يا أخي هذه إرادة الله”.

وأضاف “لم أترك مكانا أو مستشفى أو طبيبا حتى عرضته عليهم ثم بدأ الشيخ أحمد يسير على قدميه لكن ببطء ومضت الأيام والسنون حتى التحق أحمد بالدراسة في مدرسة الرمال وكان متفوقا في الدراسة حيث حصل على نسبة عالية وبتقدير امتياز في الثانوية العامة بعدها عقدت إدارة المدرسة امتحانا لحوالي 1500 طالب أنهوا دراستهم الثانوية ليصبحوا معلمين وكان الشيخ أحمد من الأوائل والمتقدمين إلا أنه رغم ذلك لم يحظ برضا مدير المدرسة الذي رفض حينها تعيين الشيخ بسبب إعاقته.

ويصمت الحاج شحدة قليلا ثم يقول “ما هي إلا أيام قليلة حتى سمعنا طرقا عنيفا على الباب فتحنا الباب فإذا برجل من مدرسة فلسطين يطلب منا أن يتوجه الشيخ أحمد إلى مدرسة فلسطين فورا!

لم نكن نعرف حينها لماذا وما السبب الذي دعاه ليطلبنا لكن عندما وصلنا إلى المدرسة علمنا أن الحاكم العام لغزة أصدر أوامره بتوظيف الشيخ أحمد ياسين فعمل مدرسا.

**محبة ورحمة

خليل حسن ياسين (أبو بلال) 40 عاما ابن شقيق الشيخ وكان واحدا من الذين عايشوه عن قرب تحدث أبو بلال عن علاقة الشيخ بأقاربه ووصفها بأنها كانت غاية في المحبة والرحمة وقال: كان يعطي كل ذي حق حقه من أقاربه وعائلته فكان يأخذ من وقته المشغول دائما ساعة أو ساعتين ليختلي بزوجته وأولاده وبناته وقد كان كريما مع زوجته يحب دائما أن يدخل السرور لقلبها ففي أوقات مرضها وعندما كان يأتي لزيارته د. محمود الزهار أو الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي – وهما طبيبان – كان حينها ينادي الشيخ على زوجته لتتحدث عن الآلام التي تشتكي منها وذلك ليُشعرها باهتمامه.

ويشير أبو بلال أن الشيخ كان عندما يرى طفلا صغيرا يعاني من أي مرض أو يشتكي من أي ألم يحثنا على الذهاب به إلى المستشفى من شدة حرصه وحبه للأطفال. ويضيف قائلا: لقد كانت معاملته الحسنة تفوق كل تصور وقد كان دائم الزيارة لرحمه.

**الكرم والزهد

ويتحدث أبو بلال عن كرم الشيخ ياسين ويقول لقد كنت جالسا معه في مكتبه ودخل أحد الزوار ومعه هدايا للشيخ مرسلة من الخارج ووضعها الزائر على الطاولة وبعد انصراف الرجل أردنا أن تَدخل تلك الهدايا للمنزل فأمرنا الشيخ أن نتركها مكانها وبعد وقت قصير حضر زوّار آخرون فوزع الشيخ الهدايا عليهم ولم يُبقِ لنفسه شيئا.

انتقل أبو بلال للحديث عن المواقف التي تدل على تمسك عمه الشيخ المجاهد وإصراره دائما على صلاة الفجر في المسجد وفي تلك اللحظات لم يستطع أبو بلال أن يتمالك نفسه فبكى وهو يذكر أحد المواقف قائلا: عندما كان يقيم الشيخ في معسكر الشاطئ خرج لصلاة الفجر برغم أنه كان مريضا ولم يرافقه حينها أحد وتعثر الشيخ ووقع وبقي مُلقَىً على الأرض حتى طلوع الشمس.

ومن مواقف الزهد في الحياة يذكر أبو بلال أنهم عندما أرادوا تركيب ستائر للمكتب ومع معرفتهم بأن الشيخ سيرفض ذلك انتهزنا فرصة خروجه وقمنا بتركيب الستائر وعندما رجع ورأى ذلك بقي يقرّعنا أياماً عديدة بسبب ذلك وهو يقول لنا: تكسو الجدران أليس من الأفضل إطعام فقير بثمن الستائر؟

ويقول أبو بلال: إن هذا أمر طبيعي بالنسبة للشيخ فهو الذي رفض بعد خروجه من السجن عام 1996 العرض بأن يغير مكان بيته إلى مكان آخر يليق به فرفض ذلك وأصر على البقاء في المكان الذي عاش فيه طيلة حياته وحتى أثناء حدوث الاجتياحات رفض تغيير مكان بيته لأنه كان يشعر بوفاء كبير لكل من يعرفه فكيف بالمكان الذي عاش فيه.

لن تحتاج إلى قلم وورقة لتدوين الكلمات ..أو إلى آلة تصوير فائقة الدقة لتعكس صورة المشهد الدامع عندما تجلس بين أفراد آسرة الشيخ أحمد ياسين في محاولة منك لتوثيق مشاعر الفخر وأحاسيس الحزن على فراق الشيخ في ذكرى استشهاده الأولى بل ببساطة كل ما عليك هو أن تستمع بكل حواسك إلى أهل بيته اقرب الناس له عندها فقط ستدرك حقيقة واحدة بان الشيخ الذي حمل هموم فلسطين الكبيرة وارق الاحتلال الصهيوني كان يمارس دور الزوج الحنون مع زوجته والأبوة بامتياز مع أبنائه الذين تعلموا منه أبجديات الجهاد والشهادة .

**عايدة ابنته المفضلة

عايدة كبرى بناته قالت :كان أبى دوما حنونا والشيء الذي لن أنساه أنه كان يصفني مثله بالحنونة فيقول أنت أحب بناتي إليّ لأنك كثيرا ما كنت تساعدين جدتك في مرضها والأن أنت تساعديني يا ابنتي في قضاء بعض حاجاتي قالت تلك العبارة بفخر وكأنه منحها بها أجمل وسام للابنة البارة وحين سألتها عن إحساسها بافتقاده حين كان أسيراً في سجون الاحتلال أجابت “مسافة المكان التي كانت تفصلنا عنه لم تمنعنا من أن نشعر به ونتألم لأجله “مؤكدة بأنها كانت تزوره باستمرار مع أخواتها بحيث يستشيرونه في تفاصيل حياتهم وإذا لم يتمكنوا من الزيارة كانوا يوصون أي شخص يذهب لزيارته لينقل لهم كل ما يرغبون في قوله وتضيف بأن الشيخ كان حريصا على الاجتماع بالعائلة مرة كل أسبوعين وبأنه كان دائم الزيارة لهم وإذا لم يتمكن كان يرسل ما قدره الله عليه الى أرحامه الذين يتعذر عليه زيارتهم وختمت عايدة حديثها “استبشرنا خيرا من اتصال هاتفي جاءنا فيه أن طفلاً عمره 8 اعوام رأى الشيخ في منامه وهو يجلس على كرسي من ذهب وحوله يحيى عياش وصلاح شحاته وآخرين من الشهداء “.

** الزوجة الصابرة

تساؤل من الممكن أن يدور في ذهن أي شخص طرحنا على أم محمد زوجة الشيخ وهو عما اذا كانت قد ترددت في قبول الزواج من رجل مقعد منذ كان عمره 16 سنة أجابتنا بابتسامة تختص بصبر النساء الفلسطينيات “هو ابن عمي وحين تقدم لي منذ 40 عاماً قررت أن أرضى بنصيبي الذي اختاره الله لي مضيفة بأنه كانت هناك أقاويل حول مدى قدرته على الإنجاب وتستأنف حديثها “تزوجنا وعشنا حياة سعيدة وأنجبنا 3 أبناء و 8 بنات قمنا بتربيتهم على خلق الإسلام مشيرة إلى أن الشيخ كان مثالا للزوج الحنون الذي يعطي كل ذي حق حقه وهي كانت تعامله بالمثل بحيث أشرفت دوما على حاجاته الخاصة وتذكر أن الشيخ لم يكن ينظر في مسألة تزويج بناته سوى لاعتبار واحد هو التقوى حيث صاهر من أنساب مختلفة “الغزاوي والبدوي والمجدلاوي والحمَامي …”.

** عطاف ابنته التي لم ينجبها

رزق الله الشيخ بثماني بنات ولكن عطاف دلول كانت ابنته التى لم ينجبها صوت عطاف وهي تتحدث بنبرة جريئة تختلف عن النبرة الخجولة لبناته حيث كان صوتا يوافق تماما الصفة التى أطلقها الشيخ عليها فدوما كان يقول لها :” أنت جندية يا عطاف “تروي قصتها مع هذه الأسرة التى بدأت عام 1977م حين أنهت الثانوية العامة فكانت أول من يتولى مهمة التدريس في رياض الأطفال في المجمع الإسلامي “بجوار بيت الشيخ ” ومنذ ذلك العام بدأت ترتاد هذا البيت فوجدت في الشيخ رحمة الأبوة فتقول “كان دوما يرشدني وينصحني وكثيرا ما ساعدني في حل مشاكلي وتضيف بأنه أصبح بيت الشيخ بيتها الذي تجلس وتنام وتأكل فيه وتشارك أفراده في مسراتهم واتراحهم وكانت تناديه دوما “يابا “وأكدت بحماس “لو كان بيدي لوضعت على خصري حزاما ناسفا وفجرت نفسي في الأعداء “وأوضحت دلول أنها حين كانت تحتاج للمال لم تكن تتردد في الطلب منه بل إنه كان كثيرا ما يعطيها من تلقاء نفسه سواء في العيد أو المناسبات الأخرى وتتابع حديثها “أبى توفي مند سنوات ولكن حين استشهد الشيخ شعرت باليتم لأول مرة مؤكدة بأن لديها من الأبناء يحيى عياش وزكريا الشوربجي و وتصر على إنجاب طفل يحمل اسم أحمد ياسين موضحة أنها لن تبخل بهم مستقبلا للجهاد في سبيل الله قائلة ” وأنا ليش مخلفاهم ” وأشارت الى أنه كان محبا للأطفال لأبعد حد بحيث لم يكسر يوما بقلب طفل طلب منه شيئا هؤلاء الأطفال الذين كانوا يفرحون بأي شيء كان منه لمجرد أنه من الشيخ أحمد ياسين .

كان بيتا يثير في تواضعه استغراب أي شخص سمع عن الرجل الذي زلزل (إسرائيل) ولكن رائحة صاحبه كانت عالقة في كل ركن فيه وبنبض الحياة كان في ملامح صوره المعلقة أما أهل البيت الذين يتذكرون زوجاً وأباً بكل معنى الكلمة ابتسموا بإيمان عميق وقالو:ان العين لتدمع وان القلب ليحزن وانا على فراق الشيخ لمحزونون”