السؤال الأول
يرد عليه الدكتور محسن صالح في مقالة منشورة له:
سألني ذات مرة أحد أساتذة الجامعات العربعلى استحياء هذا السؤال: هل باع الفلسطينيون أرضهم وتخلوا عنها لليهود؟ ولم يكن ليسأللولا أن الصلة توثقت بيننا وعلم أنه لن يُحرجني بسؤاله. والواقع أنني لم أحرج من سؤالهولكن ما أثار استغرابي أنه أستاذ في التاريخ الحديث وممن أسهموا في إعداد مناهج التاريخفي بلده العربي وفيها مباحث عن فلسطين!! فهمت بعد ذلك أن هذا السؤال يتردد في صدورالكثيرين ويجدون حرجاً في إثارته وعرفت كم يقصر الفلسطينيون والمتخصصون في الدارساتالفلسطينية في شرح القضية بشكل سليم وموضوعي ليس للعالم وإنما حتى لأبناء جلدتهم ودينهم
دعاية صهيوني
تُركِّز الدعاية اليهودية الصهيونية علىأن الفلسطينيين هم الذين باعوا أرضهم لليهود وأن اليهود إنما اشتروها “بالحلال”من أموالهم فلا ينبغي للفلسطينيين أن يطالبوا بعد ذلك بها! ولعلنا نستطيع هنا إعطاءفكرة مختصرة عن الموضوع
إن الدعاية الصهيونية في بداياتها ومنذالقرن التاسع عشر ارتكزت على فكرة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض” مُعتبرةًأنه لا يوجد شعب في فلسطين وأن من حق اليهود الذي لا يملكون أرضاً أن تكون هذه الأرضلهم. لكنهم ومنذ بوادر الاستيطان الأولى وجدوها عامرة بالحيوية والنشاط يعيش فيها شعبكادح متجذر في أرضه. ومن الطريف أن نذكر أنه في العقد الأخير من القرن التاسع عشر بعثماركس نوردو أحد كبار قادة الحركة الصهيونية المقربين إلى هرتزل بحاخامين اثنين ليرفعاتقريراً إلى المؤتمر الصهيوني عن الإمكانية العملية للهجرة إلى فلسطين وبعد أن رجعاكتبا تقريراً جاء فيه:” إن فلسطين عروس جميلة وهي مستوفية لجميع الشروط ولكنهامتزوجة فعلاً” أي أن هناك شعباً يسكنها وليست أرضاً بلا شعب
مقاومة منذ البداية
لقد بدأت المقاومة الفلسطينية النشطة للاستيطاناليهودي في فلسطين منذ أن بدأ هذا المشروع بالظهور ومنذ المراحل الأولى المبكرة لهفي أيام الدولة العثمانية. فقد حدثت صدامات بين الفلاحين الفلسطينيين وبين المستوطنيناليهود 1886 وعندما جاء رشاد باشا متصرفاً للقدس وأبدى محاباة للصهاينة قام وفد منوجهاء القدس بتقديم الاحتجاجات ضده في مايو 1890 وقام وجهاء القدس في 24 يونيو1891 بتقديم عريضة للصدر الأعظم (رئيس الوزراء) في الدولة العثمانية طالبوا فيها بمنعهجرة اليهود الروس إلى فلسطين وتحريم استملاكهم للأراضي فيها. وقام علماء فلسطين وممثلوهالدى السلطات العثمانية كذلك صحف فلسطين بالتنبيه على خطر الاستيطان اليهودي والمطالبةبإجراءات صارمة لمواجهته. وترأس الشيخ محمد طاهر الحسيني مفتي القدس سنة 1897 هيئةًمحلية ذات صلاحيات حكومية للتدقيق في طلبات نقل الملكية في متصرفية بيت المقدس فحالدون انتقال أراض كثيرة لليهود. وكان للشيخ سليمان التاجي الفاروقي الذي أسس الحزب الوطنيالعثماني في سنة 1911 دوره في التحذير من الخطر الصهيوني وكذلك فعل يوسف الخالديوروحي الخالدي وسعيد الحسيني ونجيب نصار
الفساد الإداري
ورغم أن السلطان عبد الحميد والسلطات المركزيةأصدرت تعليماتها بمقاومة الهجرة والاستيطان اليهودي إلا أن فساد الجهاز الإداري العثمانيحال دون تنفيذها واستطاع اليهود من خلال الرشاوى شراء الكثير من الأراضي ثم إن سيطرةحزب الاتحاد والترقي على الدولة العثمانية وإسقاطهم السلطان عبد الحميد 1909 والنفوذاليهودي الكبير بداخله قد سهل استملاك اليهود للأرض وهجرتهم لفلسطين. ومع نهاية الدولةالعثمانية 1918 كان اليهود قد حصلوا على حوالي 420 ألف دونم من أرض فلسطين اشتروهامن ملاك إقطاعيين لبنانيين مثل آل سرسق وتيان وتويني ومدور أو من الإدارة العثمانيةعن طريق المزاد العلني الذي تباع فيه أراضي الفلاحين الفلسطينيين العاجزين عن دفع الضرائبالمترتبة عليهم أو من بعض المالكين الفلسطينيين – ومعظمهم من النصارى -أمثال عائلاتروك وكسار وخوري وحنا. وقد غطت عمليات الشراء هذه نحو 93% من الأرض التي حصلوا عليها.وعلى أي حال فإن الخطر الصهيوني لم يكن يمثل خطراً جدياً على أبناء فلسطين في ذلكالوقت لضآلة الحجم الاستيطاني والسكاني اليهودي وللاستحالة العملية لإنشاء كيان صهيونيفي ظل دولة مسلمة (الدولة العثمانية)
بريطانيا والدور القذر
وعندما وقعت فلسطين تحت الاحتلال البريطاني1917 &ndash 1948 كان من الواضح أن هذه الدولة جاءت لتنفيذ المشروع الصهيوني وإنشاء وطنقومي لليهود في فلسطين. وقد استثمرت كل صلاحيات الحكم الاستعماري وقهره لفرض هذا الواقع.وقد قاومت الحركة الوطنية الفلسطينية الاستيطان اليهودي بكل ما تملك من وسائل سياسيةوإعلامية واحتجاجية وخاضت الكثير من الثورات والمجابهات. وقد بلغ مجموع ما تمكن اليهودمن الاستيلاء عليه خلال فترة الاحتلال البريطاني حوالي مليون و 380 ألف دونم أي حوالي5.1% فقط من أرض فلسطين رغم ما جندته من إمكانات عالمية ورؤوس أموال ضخمة وتحت الدعموالإرهاب المباشر لقوة الاحتلال غاشمة. ولكن مهلاً! فمعظم هذه الأراضي لم يشتروها فيالواقع من أبناء فلسطين! فالحقائق الموضوعية تشير إلى أن معظم هذه الأراضي تسرب لليهودعن طريق منح حكومية بريطانية لأراضي فلسطين الأميرية “أراضي الدولة” أوعن طريق ملاك إقطاعيين كبار غير فلسطينيين كانوا يقيمون في الخارج ومنعوا عملياً ورسمياًمن الدخول إلى هذه المنطقة (تحت الاحتلال البريطاني) لاستثمار أرضهم إن كانوا يرغبونبذلك فعلاً.
فقد منحت السلطات البريطانية نحو 300 ألفدونم لليهود من الأراضي الأميرية دون مقابل كما منحتهم 200 ألف دونم أخرى مقابل أجررمزي ففي عهد هربرت صموئيل أول مندوب سام بريطاني على فلسطين (1920 – 1925) وهو يهوديصهيوني قام بمنح 175 ألف دونم من أخصب أراضي الدولة على الساحل بين حيفا وقيساريةلليهود وتكررت هباته الضخمة من الأراضي الساحلية الأخرى وفي النقب وعلى ساحل البحرالميت.
وكان هناك أملاك إقطاعية ضخمة لعائلات حصلتعلى هذه الأراضي خصوصاً سنة 1869 عندما اضطرت الدولة العثمانية لبيع أراض أميرية لتوفيربعض الأموال لخزينتها فقامت بشرائها عائلات لبنانية غنية وقد مثَّل ذلك وجهاً آخرللمأساة. فقد باعت هذه العائلات ما مجموعه 625 ألف دونم. فقد باعت عائلة سرسق اللبنانيةأكثر من 200 ألف دونم من أراضي مرج ابن عامر للصهاينة وتسبّب ذلك في تشريد 2746 أسرةعربية هم أهل 22 قرية فلسطينية كانت تفلح هذه الأراضي لمئات السنين. وتكررت المأساةعندما باعت عائلات لبنانية أخرى حوالي 120 ألف دونم حول بحيرة الحولة شمال فلسطينكما باعت أسرتان لبنانيتان أراضي وادي الحوارث (32 ألف دونم) مما تسبب في تشريد 15ألف فلسطيني. ومن العائلات التي قامت ببيوع كبيرة للأراضي لليهود في أثناء الاحتلالالبريطاني: آل سلام وآل تيان وآل قباني وآل يوسف والصباغ والتويني والجزائرليوشمعة والقوتلي والمارديني وكلها أسر لبنانية أو سورية. وقد بلغت نسبة الأراضي الزراعيةالتي باعها الملاك الإقطاعيون الغائبون خارج فلسطين خلال الفترة 1920 ـ 1936 ما نسبته55.5% مما حصل عليه اليهود من أراض زراعية. وعلى الرغم مما يتحمله من قام بهذه البيوعمن أبناء هذه العائلات من مسئولية فإن اللوم لا يقع بشكل كامل عليهم وحدهم إذ إنالسلطات البريطانية منعتهم من الدخول لاستغلال هذه الأراضي بحجة أنهم أجانب وذلكبعد أن تم فصل فلسطين عن سوريا ولبنان وفق تقسيمات سايكس- بيكو بين الاستعمارين البريطانيوالفرنسي.
أما مجموع ما تسرب إلى أيدي اليهود من أراضباعها لهم عرب فلسطين خلال الاحتلال البريطاني فكان حوالي 260 ألف دونم. وقد حصل اليهودعلى هذه الأراضي بسبب الظروف القاسية التي وضعت حكومة الاستعمار البريطاني الفلاحينالفلسطينيين فيها ونتيجة لاستخدام البريطانيين لأسلوب نزع الملكية العربية لصالح اليهودوفق مواد من صك الانتداب البريطاني على فلسطين والتي تخول المندوب السامي هذا الحق.كما حدثت حالات بيع بسبب ضعف عدد من الفلسطينيين ووقوعهم تحت الإغراءات المادية وليسمن المستغرب أن توجد في كل زمان ومكان في أي بلد عربي أو غير عربي فئات قليلة تضعفأمام الإغراءات لكنها على أي حال فئة منبوذة محارَبة من مجمل أبناء شعب فلسطين وقدتعرض الكثير منهم للمقاطعة والتصفية والاغتيال خصوصاً في أثناء الثورة العربية الكبرىالتي عمت فلسطين خلال 1936 ـ 1939.
وعلى هذا فإن مجموع ما حصل عليه اليهودمن أبناء فلسطين حتى سنة 1948 لا يتجاوز 1% من أرض فلسطين وخلال سبعين عاماً من بدايةالاستيطان والهجرة المنظمة لفلسطين وتحت ظروف قاسية. وهذا بحد ذاته يبرز مدى المعاناةالتي لقيها اليهود في تثبيت مشروعهم وإنجاحه في فلسطين ومدى إصرار الفلسطينيين علىالتمسك بأرضهم.
فتاوى بتحريم بيع الأرض لليهود
وقد قام أبناء فلسطين خصوصاً في الثلاثينياتمن القرن العشرين بجهود كبيرة في محاربة بيع الأراضي وكان للمجلس الإسلامي الأعلىبقيادة الحاج أمين الحسيني وعلماء فلسطين دور بارز. فقد أصدر مؤتمر علماء فلسطين الأولفي 25 يناير 1935 فتوى بالإجماع تحرِّم بيع أي شبر من أراضي فلسطين لليهود وتعدُّالبائع والسمسار والوسيط المستحل للبيع مارقين من الدين خارجين من زمرة المسلمينوحرمانهم من الدفن في مقابر المسلمين ومقاطعتهم في كل شيء والتشهير بهم. وقام العلماءبحملة كبرى في جميع مدن وقرى فلسطين ضد بيع الأراضي لليهود وعقدوا الكثير من الاجتماعاتوأخذوا العهود والمواثيق على الجماهير بأن يتمسكوا بأرضهم وأَلا يفرطوا بشيء منها.وقد تمكن العلماء من إنقاذ أراض كثيرة كانت مهددة بالبيع واشترى المجلس الإسلامي الأعلىقرى بأكملها مثل دير عمرو وزيتا والأرض المشاع في قرى الطيبة وعتيل والطيرة وأَوْقفالبيع في حوالي ستين قرية من قرى يافا. وتألفت مؤسسات وطنية أسهمت في إيقاف بيع الأراضيفأنشئ “صندوق الأمة” بإدارة الاقتصادي الفلسطيني أحمد حلمي باشا وتمكنمن إنقاذ أراضي البطيحة شمال شرقي فلسطين ومساحتها تبلغ ثلاثمائة ألف دونم.
الخسارة والسبب الحقيقي
إن الخسارة الحقيقية لأرض فلسطين لم تكنبسبب بيع الفلسطينيين لأرضهم وإنما بسبب هزيمة الجيوش العربية في حرب 1948 وإنشاءالكيان الصهيوني &ndash إثر ذلك &ndash على 77% من أرض فلسطين وقيامه مباشرة وبقوة السلاح بطردأبناء فلسطين والاستيلاء على أراضيهم ثم باحتلال باقي أرض فلسطين إثر حرب 1967 معالجيوش العربية وقيامه بمصادرة الأراضي تحت مختلف الذرائع. وقد ظلت نظرة أبناء فلسطينحتى الآن إلى من يبيع أرضه أو يتوسط بالبيع نظرة احتقار وازدراء وظل حكم الإعدام يلاحقكل من تُسوِّل له نفسه بيع الأرض وقام رجال الثورة الفلسطينية بتصفية الكثيرمن هؤلاءعلى الرغم من حماية قوات الاحتلال الصهيوني لهم.










