ثقافة وفنون

جَـرَّةُ قَلَـمْ


في رحلة التاريخ الممتد عبر عصور تعاقبت بين المجد والتخاذل وفي رحلة الحياة تلك التي عنوانها رحيل في فانية أو خالدة فيهما أعملت جرةُ القلم الكثير حتى كان ثمنها الروح والأرض والدماء.

قرار نصنعه وعوْن نطلبه أرضٌ منهوبة وحُرُماتٌ مُستباحة حله جرة قلم على قرار تكدس عليه غبار الدهر حتى تآكلت الحروف.
أرض اعتلاها بنيان الاستعمار وضيَّق الخناق على الأهل و أرض تنتظر أن تؤكل وأصحابها يلاحقون وتُصادَر حقوقهم بينهما قرارات كثيرة تشابهت نصا وحرفاً وتطبيقا واختلفت أداة التنفيذ !

إلى سنوات نعود حيث علا الانتداب وعربد وقامت الثورة الفلسطينية وطالب الأحرار بالسلاح والعتاد وكانت رحى الحرب دائرة كان قرار الإمداد بالسلاح ينتظر جرَّة قلم وفعل حرّ غير خؤون فكانت النتيجة أن جرة القلم بحاجة لحبر ولكن الحبر نفد!
تناثرت الدماء وصمد المجاهدون
حتى إلى بارئهم فاضت أرواحهم.
ما كان القرار حرا نزيها ولم يكن الحبر عربياً خالصا…

في كل مرحلة أمثال أولئك يعودون ونجد مَن يعلو صوته قائلاً : (التاريخ يعيد نفسه!) عجباً إذا كان التاريخ يعيد نفسه فلماذا نعيد أخطاءه؟ ولماذا نقف تأخذنا الدهشة والصدمة دون حراك؟ …

كذلك حال القدس والأقصى اليوم بعد أكثر من تسعين عاماً على الانتداب والاحتلال معاً ينهض لكبوتهما الفرسان من الرجال يستفرغون الوسع ويستنهضون همم المنظمات والمؤسسات ورجال الحق والخير في كل بقعة وكل ميدان والنتيجة قرارات بحاجة فقط ل “جرة قلم” لقد قالوها : القدس والأقصى في خطر لكنك قد أسمعت لو ناديت حيا!
أبعد الخطط ورفع المطالب والتصريح هنا وهناك وسقوط ما سقط من القداسة والطهر وتهويد ما انقضى تحت الآلة الصهيونية أبعد كل ذاك بقي ما يُراد سوى إرادة حرة نزيهة توقِّع على الفعل لينتصر وتنتصر القضية؟
ولكن يبدو أنّ الحبر نفد ومصانع الحبر لا تنتجه سوى أمريكياً أو صهيونياً!

وبين عبد القادر الحسيني ورائد صلاح تاريخٌ صحَّ أن لا تُعاد أخطاؤه بالأمس تخلٍ عن رجل ومجموعة مقاومة واليوم تخلٍ عما تبقى من قضية الاسلام ورجال في مرمى خط النار هم مئات بل ألوف تفرقت بهم جغرافية الأرض واتحدت أرواحهم وليسوا هم فقط الشيخيْن رائد صلاح وكمال الخطيب!

من محافل التاريخ إلى سياسة تستهدف الأفراد والحقوق سياسة الفصل الوظيفي التي نعايشها في الضفة الغربية ويقاسمنا ألمها أهلنا في الأراضي المحتلة 48.
في الضفة الغربية أنتَ مشبوه إرهابيّ إذا كنتَ توافق المقاومة وترفض التفاوض فأنت خطر تهدد الأمن محاربتك بإقصائك وظيفيا وإضعاف تأثيرك عن مسرح الحدث وميدان الحياة.
في الأراضي المحتلة أنتَ موقوف وممنوع من مزاولة المهن وتتعرض للمحاكمة ألستَ ترفض الخدمة المدنية والتجنيد في الجيش الصهيوني إذاً أنتَ غير قادر على تربية الطلاب على الولاء للدولة!

وجوه مختلفة وسياسة واحدة بل قلبٌ وفكر واحد والهدف هو الفلسطيني الذي يؤمن بعدالة قضيته التي وسيلتها فقط المقاومة بأنواعها : المسلحة والفكرية.

إننا لسنا بحاجة لجرة قلم مدادها حبر ولكن بحاجة لجرة قلم على قلوبٍ تأذن بتحررها من قيود الرِّق لتحقيق مصالح وأطماع الدول الاستعمارية.
إن حرية القلب والفكر تتبعها حرية السلوك وقبل ذلك لن نرَ قراراتٍ حرة نزيهة ولن نرَ للقدس أهلاً يذودون عنها و يتخذونها دعايةً لهم.
حين نملك أنفسنا وتسجد لله وحده سجدة الحرية وحين نصنع وسائلَنا بأدواتنا الحرة حينها نقول :
مرحباً بجرَّةِ القلم تأذن بجهاد وتحرير.

القدس والأقصى: محتلَّيْن رائد وكمال :طريديْن ..
وأنتم ماذا تشكِّلون فيما تبقى من القضية ؟
أما مِن حِراك ؟!..