|
• كان الشاعر أحمد مطر يعطي قصائد زوجي الأولوية في النشر. ” ما أجملَ اللقيا بلا ميعاد ” … قد تكون ترتيبات اللقاء في دمشق الفيحاء تتناسب مع قصائد شاعرها الراحل نزار قباني لنلتقي بزوجة شاعر راحل آخر هو الشاعر الفلسطيني يحيى برزق . دمشق – أجرى الحوار : سمير عطية : في الذكرى الثانية والعشرين على رحيل الشاعر يحيى برزق ماذا تُعيدُ لك هذه الذكرى من الأشجان ؟
أتذكر الأب والزوج والإنسان وأتذكر الشاعر لأنه كان رقيق المشاعر صادق في عواطفه الإنسانية والوطنية لقد تذكرته قبل أيام مع أولادي وكنا نتحدث عن سيرته فهذه الذكرى حاضرة فينا باستمرار نذكره بخير لأنه كان يحب الخير ويسعى إليه فينفسه وعائلته ومدرسته وكان يحب الحق ويدعو إليه في قصائده فمشاعري في هذه الذكرى فيها من الأشجان الشيء الكثير . أخبرينا عن يحيى برزق الأب …كيف كان ؟ في فترة من الفترات اجتمع أولادي الستة في الجامعة على اختلاف اختصاصاتهم. فبين كل ولد وولد سنة واحدة فقط فعلى سبيل المثال كان ابني ماجد ومحمد في سنة واحدة في التوجيهي وأخذا التوجيهي معا واستمرا مع بعضهما لن مستواهم كان واحدا ودخلا الجامعة معا في الكويت وكانت المدارس في تلك الفترة قليلة في الكويت والشاعر يحيى كان من أوائل الفلسطينيين الذين توجهوا للكويت وكان ذلك في العام 1952. لم يكن يحب أبناءه فقط بل يحترم أصحاب أولاده وبناته بشكل فوق العادي. وكان ويرحب بهم كأنهم أبناءه و أكثر . عندما سافر ماجد ومحمد ليدرسوا خارج الكويت عانينا معاناة ما بعدها معاناة فكنا كلما نضع الأكل يصيبنا حال من الذهول على حزن يحيى على أولاده ( الله أعلم شو كان يصير في تلك اللحظات) وكان غالبا ما يطلب القهوة عندما تحضره ذاكرة الأولاد ويبدأ بكتابة الشعر وقد كتب الكثير من القصائد لهم في أثناء دراستهم في الجامعة . هل أثَّرت الأعباء المادية على توجهاته الوطنية ؟ أقسم بالله العظيم في فترة من الفترات كان يضع معاشه كله ويتبرع به للثورة ولأبنائها وما تزال بحوزتي الوصولات التي كانت تثبت أن كان يتبرع بكل ما لديه أحيانا لفلسطين وللثورة التي كانت في بداياتها في العام 1965 م. في أيلول الأسود في العام 1970 أتى إلي وكنت حينها أغسل الثياب وقال لي : على عجل حضري لي حقيبة ثياب صغيرة أريد أن أذهب إلى إذاعة الثورة فورا وعلى الرغم من أن الأوضاع صعبة ( والدنيا مقلوبة ) حينها بسبب الأحداث إلا أنه أصر على الذهاب وبعد عودته طلب لي أن أسأل الجيران عن أي شيء يتبرعون به للثورة من ثياب أو أغطية نوم أو أي شيء. ثم دخل إلى الغرفة وأخذ ( شرشف ) وفتح خزانة الثياب وبدأ يخرج من ثيابي وثياب الأولاد ويضعها في ( الشرشف ) وأخذا ما تبرع به الجيران أيضا وأرسله دعما للثورة الفلسطينية . إن الشاعر كان يحب القدس جدا وكان ( ينحرق دمه عليها ) خصوصا وأنه درس فيها في مدرسة الروضة في القدس . ومرة جاء الوزير المصري حلمي باشا وألقى قصيدة بحضوره فأعجب به ودعاه وسأله عدة أسئلة وأعجب بما أجابه فأرسله إلى القدس ليدرس فيها سنتين على حسابه الخاص وتعرف هناك على الأستاذ الشاعر اللبناني منح خوري الذي توطدت علاقته به عندما اكتشف هذا الأستاذ أن يحيى برزق يمتلك ملكة الشعر بعد أن كتب الشاعر يحيى برزق قصيدة بعنوان القمر. ومرة أخرى أخذ عدد من أصدقائه يمازحونه بسخرية عن غزة فكتب مقالة بعنوان ( غزة أقدم من روما) شرح فيها قدم غزة منذ ما قبل البعثة النبوية وحتى محاولة نابليون المرور منها. وقد هذه الدراسة للأستاذ منح خوري الذي تبنى يحيى أدبيا ولغويا. كان يحيى يعاني من مرض كلوي في صغره وكان ممنوعا من اللعب ومرة أقنعه أصدقاؤه في المدرسة باللعب فأصابه نزيف حاد توجب إجراء عملية مباشرة لها فتكفل الأستاذ الخوري بكل ما يلزم من تواقيع وتعهدات وتأمين العملية لأن الوقت كان ضيقا حتى يأتي أهله ويوقعون ويدفعون تكاليف العملية وقال لهم الأستاذ خوري هذا بمثابة ابني وأجريت له العملية بنجاح ومرت الأيام لنلتقي بالشاعر منح خوري في زحلة في شهر العسل عام 1955 . كيف كان يحيى برزق الزوج ؟ هل هناك جهات غير وزارة التربية كانت تطلب منه أن يكتب لها أو يمدها بأشعاره ؟
نعم كثيرون وكانت المنظمة – منظمة التحرير الفلسطينية- في وقتها تطلب منه ذلك إلا أن شعوره بان سبب ذلك كان لاحتوائه وجعله ينضم إلى صفوفها إلا أنه كان يرفض . إن الشاعر يحيى كان يتمسك برأيه في معظم الأحيان ووقت الاجتماعات كان يزعجهم برأيه وتمسكه به وكان جريئا ولا يخشى في الله لومة لائم. بالإضافة إلى ذلك لم يكن الشاعر قادر في يوم من الأيام على أن يطبع الديوان على حسابه وكان يقول سيأتي اليوم الذي أطبع فيه الديوان دون تغيير أو حذف . وكان يفاجأ الشاعر بأن الجهات التي تطبع له قصائده كجريدة القبس كانت تحذف عددا الأبيات والوحيد الذي كان لا يحذف للشاعر من قصائده هو الشاعر أحمد مطر الذي كان ينشر القصيدة فور وصولها دون أي تبديل أو تغيير. حدثينا عن علاقة الشاعر يحيى برزق مع الشاعر أحمد مطر ؟ جمعت الشاعر يحيى مع الشاعر أحمد مطر صداقة حميمة عبر إرسال القصائد للشاعر مطر ونشرها في جريدة القبس حيث كان محررا ثقافيا في تلك الصحيفة في ذلك الوقت . وكان أحمد مطر يقدّم قصائد الشاعر يحيى على كل القصائد الموجودة أو المعدة للنشر . وكانت قصيدة شراع الجليل آخر قصيدة كان ينوي إرسالها الشاعر يحيى لأحمد مطر . ونشرت هذه القصيدة بعد موت يحيى في جريدة القبس أو الأنباء على ما أذكر . هل من قصيدة كان يعتز بها الشاعر الراحل ؟ نعم كان يحب قصيدة الكناري اللاجئ هذا الطائر الذي دخل علينا من النافذة إلى البيت وكان متعبا من شدة الحر يشكو العطش والجوع شعر يومها أن هذا الطائر الذي اختار دخول البيت بدلا من الهروب أنه يشبهه فكلاهما لاجئان وكلاهما حزينان على فراق الأحبة والأوطان . كان الشاعر يحب قصيدة الكناري اللاجئ لأنه يشبهنا في حالة اللجوء وللقصيدة قصة انه في يوم من الأيام وقف على نافذتنا عصفور كنار وعندما فتحنا النافذة لم يهرب هذا العصفور وكان يلهث بشدة ودخل المنزل فشبه العصفور باللاجئ القادم إلى لاجئ فهو يشبهه تماما فكتب هذه القصيدة . إن الشاعر كان يعتز بهذه القصيدة هل من قصيدة كان لها مكانة خاصة في قلبك ؟ بالتأكيد إنها قصيدة ( شراع الجليل ) هي آخر قصيدة كتبها أملاها علي في يوم وفاته وكانت عن العملية الفدائية بالطائرة الشراعية لقد كتبتها بنفسي كلمةً كلمة وكان يعيد ويتابع لقد كانت قصيدة مؤثرة وأحببتها كثيرا لأنها تذكرني بالشاعر الراحل ولأنني أعتبر نفسي شاركته بهذه القصيدة وبعد أن كتبتها وراجعها وضعها بمظروف لإرسالها إلى الصحيفة وقد نشرت بصحيفة كويتية بعد وفاته . آخر قصيدة له كانت شراع الجليل وكتبها وهو مريض وكنت أنا من أكتبها يعني هو يملي علي ما أكتبه فبعد أن كتبتها قال لي أريني وعندما قرأ ما كتبت قال لي أن ستضيعيني ولم أعد أذكر ما كنت قد كتبت بدل الفاء غين أو العكس والله لا أذكر . وقال لي أنا أملي عليك فيجب أن تكتبي بشكل صحيح وأنا أعتز بقصيدة شراع الجليل لأني أنا من كتبها وهو يملي علي وانتهى منها قبل وفاته بلحظات . يوم الرحيل 14-1-1988 …كيف كان ؟ قبل وفاته طلب مني أن أجلب هل دليل الهاتف وكان الوقت عصرا وقلت له الوقت غير مناسب ليتصل بالناس إلا انه رفض كلامي واتصل بالكثيرين من معارفه ليسلم عليهم ويطمئن عليهم أذكر كيف طلب من الطبيب الفيزيائي المعالج أن لا يأتي في آخر مرة حضر فيها قال له لا تأتيني مرة أخرى أنا تعبت يكفي وحين أصر الطبيب على أن يلتزم بمواعيده مع مريضه الشاعر قال له إن هذه الزيارة ستكون الأخيرة وتوفي في ذلك النهار. يوم وفاته كان يوما صعبا جدا رحيله كان مؤلمًا المبنى السكني الذي كنا نسكن فيه تحول كله إلى مأتم كان هناك ثلاثة شقق لجيراننا تحولت لعزاء استقبلت المعزين من الرجال أما بيتنا فكان للنساء هذا يدل على محبيه كما قلت من كثير من الناس . في ذكراه أقول أحيانا لو كان ” أبو محمد ” بيننا لكتب عن الانتفاضة والشهداء والأبطال وأسأل نفسي عن القصائد التي سيكتبها في الأحداث التي تمر على فلسطين في الضفة وغزة والقدس ويافا وفي كل مكان نعيش فيه لكن أحيانا أقول لقد استراح من هذه الأوجاع فلقد أصابته مجازر صبرا وشاتيلا بالجلطة حزنا على دماء أبناء شعبه فكيف سيحتمل قلبه مصائب أكثر وأوجاع جديدة ؟ أعود لأقول يرحمه الله لقد كان إنسانا وشاعرا رقيقا ومحبا لأهله وأولاد وشعبه ووطنه . |
زوجة الشاعر يحيى برزق في ذكرى الرحيل:
الأحد 24-يناير-2010










