ثقافة وفنون

زوجة الشاعر يحيى برزق في ذكرى الرحيل:



• كان الشاعر أحمد مطر يعطي قصائد زوجي الأولوية في النشر.
• أحبُّ قصيدة شراع الجليل وقصيدة الكناري اللاجئ الأثيرة لدى زوجي.
• كان رقيق المشاعر ورؤية مجازر صبرا وشاتيلا أصابته ب” الجلطة “.

” ما أجملَ اللقيا بلا ميعاد ” … قد تكون ترتيبات اللقاء في دمشق الفيحاء تتناسب مع قصائد شاعرها الراحل نزار قباني لنلتقي بزوجة شاعر راحل آخر هو الشاعر الفلسطيني يحيى برزق .
حكاية السفر الفلسطيني لديها صاغها على مدى سنوات زوجها ورفيق دربها الشاعر الراحل يحيى محمد برزق في قصائد شهيرة مثل حنين والكناري اللاجئ وغربة وشعرات القصائد الأخرى .
قدمت سريعا من العاصمة الأردنية عمَّان لتزور ولديها وأحفادها في ربوع الشام ثم تعود إلى الكويت التي عاشت فيها عدة عقود .
كان اللقاء معها في المرات السابقة قد تأجل أكثر من مرة غير أن هذا الحوار الذي خصَّت به بيت فلسطين للشعر جاء متزامناً مع ذكرى رحيل الشاعر ليكون نافذة جديدة على فضاء الإبداع الشعري في تجربة يحيى برزق: الشاعر والزوج والأب والمعلم والإنسان .
يسرنا في بيت فلسطين للشعر أن نقدم هذا الحوار الذي اتسم بالبساطة والمصداقية وانسكبت فيه عاطفة الحاجة أم محمد مشاعر قرأناها في العيون وسمعناها في الحكايات .

دمشق – أجرى الحوار : سمير عطية :

في الذكرى الثانية والعشرين على رحيل الشاعر يحيى برزق ماذا تُعيدُ لك هذه الذكرى من الأشجان ؟
أتذكر الأب والزوج والإنسان وأتذكر الشاعر لأنه كان رقيق المشاعر صادق في عواطفه الإنسانية والوطنية لقد تذكرته قبل أيام مع أولادي وكنا نتحدث عن سيرته فهذه الذكرى حاضرة فينا باستمرار نذكره بخير لأنه كان يحب الخير ويسعى إليه فينفسه وعائلته ومدرسته وكان يحب الحق ويدعو إليه في قصائده فمشاعري في هذه الذكرى فيها من الأشجان الشيء الكثير .
أخبرينا عن يحيى برزق الأب …كيف كان ؟
في فترة من الفترات اجتمع أولادي الستة في الجامعة على اختلاف اختصاصاتهم. فبين كل ولد وولد سنة واحدة فقط فعلى سبيل المثال كان ابني ماجد ومحمد في سنة واحدة في التوجيهي وأخذا التوجيهي معا واستمرا مع بعضهما لن مستواهم كان واحدا ودخلا الجامعة معا في الكويت وكانت المدارس في تلك الفترة قليلة في الكويت والشاعر يحيى كان من أوائل الفلسطينيين الذين توجهوا للكويت وكان ذلك في العام 1952.
لم يكن يحب أبناءه فقط بل يحترم أصحاب أولاده وبناته بشكل فوق العادي. وكان ويرحب بهم كأنهم أبناءه و أكثر .
عندما سافر ماجد ومحمد ليدرسوا خارج الكويت عانينا معاناة ما بعدها معاناة فكنا كلما نضع الأكل يصيبنا حال من الذهول على حزن يحيى على أولاده ( الله أعلم شو كان يصير في تلك اللحظات) وكان غالبا ما يطلب القهوة عندما تحضره ذاكرة الأولاد ويبدأ بكتابة الشعر وقد كتب الكثير من القصائد لهم في أثناء دراستهم في الجامعة .
هل أثَّرت الأعباء المادية على توجهاته الوطنية ؟
أقسم بالله العظيم في فترة من الفترات كان يضع معاشه كله ويتبرع به للثورة ولأبنائها وما تزال بحوزتي الوصولات التي كانت تثبت أن كان يتبرع بكل ما لديه أحيانا لفلسطين وللثورة التي كانت في بداياتها في العام 1965 م.
في أيلول الأسود في العام 1970 أتى إلي وكنت حينها أغسل الثياب وقال لي : على عجل حضري لي حقيبة ثياب صغيرة أريد أن أذهب إلى إذاعة الثورة فورا وعلى الرغم من أن الأوضاع صعبة ( والدنيا مقلوبة ) حينها بسبب الأحداث إلا أنه أصر على الذهاب وبعد عودته طلب لي أن أسأل الجيران عن أي شيء يتبرعون به للثورة من ثياب أو أغطية نوم أو أي شيء. ثم دخل إلى الغرفة وأخذ ( شرشف ) وفتح خزانة الثياب وبدأ يخرج من ثيابي وثياب الأولاد ويضعها في ( الشرشف ) وأخذا ما تبرع به الجيران أيضا وأرسله دعما للثورة الفلسطينية .
إن الشاعر كان يحب القدس جدا وكان ( ينحرق دمه عليها ) خصوصا وأنه درس فيها في مدرسة الروضة في القدس . ومرة جاء الوزير المصري حلمي باشا وألقى قصيدة بحضوره فأعجب به ودعاه وسأله عدة أسئلة وأعجب بما أجابه فأرسله إلى القدس ليدرس فيها سنتين على حسابه الخاص وتعرف هناك على الأستاذ الشاعر اللبناني منح خوري الذي توطدت علاقته به عندما اكتشف هذا الأستاذ أن يحيى برزق يمتلك ملكة الشعر بعد أن كتب الشاعر يحيى برزق قصيدة بعنوان القمر.
ومرة أخرى أخذ عدد من أصدقائه يمازحونه بسخرية عن غزة فكتب مقالة بعنوان ( غزة أقدم من روما) شرح فيها قدم غزة منذ ما قبل البعثة النبوية وحتى محاولة نابليون المرور منها. وقد هذه الدراسة للأستاذ منح خوري الذي تبنى يحيى أدبيا ولغويا.
كان يحيى يعاني من مرض كلوي في صغره وكان ممنوعا من اللعب ومرة أقنعه أصدقاؤه في المدرسة باللعب فأصابه نزيف حاد توجب إجراء عملية مباشرة لها فتكفل الأستاذ الخوري بكل ما يلزم من تواقيع وتعهدات وتأمين العملية لأن الوقت كان ضيقا حتى يأتي أهله ويوقعون ويدفعون تكاليف العملية وقال لهم الأستاذ خوري هذا بمثابة ابني وأجريت له العملية بنجاح ومرت الأيام لنلتقي بالشاعر منح خوري في زحلة في شهر العسل عام 1955 .
 

كيف كان يحيى برزق الزوج ؟
كان الشاعر حساس جدا جدا . وأنت تعلم كيف تكون مشاعر الشاعر فقد كان يحب أولاده وبناته بعمق. في العام 1956 إبان العدوان الثلاثي ابتعدنا أنا وإياه عن بعضنا البعض بسبب ظروف ولادتي وكنا في زيارة للأهل في غزة وهو يريد الذهاب إلى الكويت فقال لي ابقي هنا حتى تلدي وسأذهب وحدي وبعد ذهابه احتل اليهود قطاع غزة وأصبح الخروج منها صعبا فعمل لي معاملة كي أخرج مع الصليب الأحمر من غزة فلم يوافق أهله على ذلك وذات يوم حلم بأبيه وكان حينها وضعه النفسي صعب جدا فلم يعد يستطيع المجيء ولا نستطيع نحن الخروج من غزة وقال له أباه في المنام لماذا تحمل السلم بالعرض؟ اليهود انسحبوا من غزة فنهض من توه وفتح الراديو وإذا بالأخبار أن اليهود ينسحبون من غزة .
أذكر أنه كان قد أرسل جواز سفره إلينا لأن جواز السفر كان جماعيا للعائلة كلها في اليوم التالي ذهب إلى حاكم الكويت الشيخ أحمد الجابر الصباح وقص عليه حكايته فأعطاه ورقة ووقع عليها حتى يذهب إلى غزة وقال له بالحرف : إذا لم يسمحوا لك بالعبور سأطرد البعثة المصرية من المدرسين الموجودين في الكويت كلها وأعيدها إلى مصر . وعندما أراد دخول مصر أعطى الورقة للضابط المسؤول عن الدخول لمصر فسأله الضابط ما هذه الورقة فأجابه هذه الورقة من أمير الكويت فقال له الضابط وهل تعتبر هذه الورقة رسمية حتى تستطيع الدخول فقال له يحيى إن الأمير الكويت سيعيد البعثة المصرية كلها إذا لم تدخلوني لمصر فسمح له الضابط بالدخول . فدخل غزة وبعد فترة عاد إلى الكويت ثم لحقنا به بعد أشهر . أقص لك هذه الرواية لأن تلك السنة كانت مشاعر يحيى كلها حب لنا .
كيف كان شاعرنا مع تلاميذه في ميدان العلم والتعليم ؟
يحيى برزق كان يحب طلابه وكان يعاملهم كما يعامل أبناءه ويعطيهم كل ما لديه من علم كان عنده قداسة للمهنة التي كان يمارسها وهي التدريس. وكان يذهب إلى المدرسة قبل الطلاب حتى أن المدير كان يقول له إننا نريد أن نعطيك مفتاح المدرسة كونك أول القادمين. وكان بعد الصلاة الفجر يحضر نفسه للذهاب إلى المدرسة حتى أن أولادي كانوا يتضايقون من ذلك ويسألونني دائما لماذا نكون أول الذاهبين إلى المدرسة. وكنت أبدا بتحضير حاجيات الأولاد بعد صلاة الفجر أقوم بتجهيز طعام الإفطار ثم أحضر لهم حقائبهم وهكذا .
هناك قصة أذكرها عن مكانته في نفوس طلابه حيث كان هناك طالبة تقوم معلماتها بإنجاحها لأن أباها معلم في مدرسة قريبة لكن إحدى المعلمات تابعت قضيتها بالتفصيل وذهبت إلى هذا الأب المعلم وشرحت له ميزات هذه الطالبة الإيجابية من الأخلاق والتربية الحسنة ولكنها تحتاج إلى قليل من الدعم الدراسي . وجلست تتكلم معه بالتفصيل. فقال لها هل تجمعك صلة قرابة مع الأستاذ يحيى برزق ؟ فقالت له وما شأن يحيى برزق في ذلك؟
فكرر عليها السؤال وقال لها قلت لك هل تجمعك صلة قرابة مع الأستاذ يحيى برزق ؟
فأجابته بقولها هو خالي ؟
فقال لها هذا هو أسلوب يحيى برزق . فسألته من أين تعرف يحيى برزق فقال لها كنت طالبا عنده في ثانوية عبد الله السالم وهذا المدرس لا أنساه ما حييت . بارك الله فيك .
هذه من القصص التي تؤكد حرصه على طلابه وهذا جاء نتيجة عطائه وجهده ففي المدرسة أيضا تسلم الإشراف على الإذاعة في ثانوية عبدالله السالم الصباح لفترة طويلة من الزمن وكان يجتهد في تجهيز المواد ويحضر الفوائد للطلاب والقصائد في المناسبات المختلفة .
هل كان يقول لك ما يحضره للإذاعة المدرسية من مواد يريد التعليق عليها ؟
طبعا كان دائما يقول لي ما يريد أن يقوله للطلاب أذكر مرة أنه جهّز مادة يحذر فيها من مخاطر الاستماع إلى الموسيقى الغربية وخصوصا مايكل جاكسون الذي كان بدأ يشتهر في تلك الفترة. وكل حدث يتعلق بالأرض والوطن كان يعلق عليه في إذاعة المدرسة .
في قصائد الشاعر يحيى برزق حنين وعاطفة …كيف تجدين ذلك ؟
إلى جانب صدق العاطفة التي عند يحيى كان عنده مثل وقيم لا أجدها في كثير من البشر. كان يحترم الطبقة العاملة وعاش عمره لا يحب الواسطات أو المظاهر .أذكر من تواضعه أنَّ عاملاً كان يأتي لعندنا اسمه أبو يعقوب وكان يعتني بالمكيفات يصلحها ويقوم بأعمال الصيانة لها كان يصر أن يجلس ويشرب القهوة معه ويتبادلان الحديث وهذا دليل على تواضعه.
هل كان من الشعراء الذين يخرجون لكتابة قصيدة خارج المنزل ؟
لا كانت الساعة التاسعة عند الشاعر يحيى تعني انتهاء النهار فلا يخرج بعدها أبدا. فيدخل إلى غرفته ويبدأ بالقراءة فقد كان في غرفة النوم مكتبته الخاصة التي كان يقرا منها كتب ما قبل النوم لم تكن من عادته أن يمشي أو يخرج بل يذهب إلى مكتبه ويجلس مع الأوراق والقصائد .
هل كان الشاعر يحيى يسمعك قصائده ؟
طبعا والله ما كتب قصيدة إلا وأسمعني إياها ويستشيرني فيها وأقول له ملاحظاتي حولها .
وهل كنت تجاملينه في آرائك وهل كنت تجدين الوقت لتسمعي ما يكتب ؟
والله كنت مثل النحلة في المنزل الأولاد أعطيهم حقهم والبيت حقه ..يعني كل شي أعطيه حقه في المنزل . وكان يكره الشاعر أن يأكل من نوع واحد من الطبخ على مدار يومين وكان يحب أن يأكل ثلاث وجبات في اليوم فطور وغداء وعشاء . ويحب التنويع في الطعام .
أحيانا كان الشاعر يكتب بعض الكلمات العربية الثقيلة في اللفظ فأقول له أن يبسطها حتى يفهمها جميع الناس وكان يغيرها ويأخذ بكلامي. وكان يقول أنت تمثلين وجهة النظر الشعبية في القصيدة ولهذا آخر برأيك لأنه يهمني أن يفهمني الناس جميعا .
لماذا كانت قصائد العتب بين الشاعر وأشقائه ؟
بعد احتلال اليهود لغزة قرر الشاعر أن لا يدخل غزة أبدا حتى يخرج اليهود منها. فعتب الجميع عليه فرد هذا العتب بقصائد حاول أن يقول لهم لم لن يأتي إلى غزة وهي تحت الاحتلال .
هل ضاعت مكتبة الشاعر بعد احتلال غزة ؟
نعم فكل الشعر الذي كتبه الشاعر قبل زواجنا لم يعد له أثر. إلا قصيدة القمر ولا أعرف السبب وراء إعادة كتابة هذه القصيدة من قبل الشاعر.
يعني كل الشعر الذي كتبه من العام 1943 حتى العام 1955 لم يعد له أثر ؟
نعم بعد وفاة والده تم إهمال المكتبة واختفت جميع أشعاره . اذكر مرة أن الشاعر ألقى قصيدة في الكلية في غزة ومن تأثر وتفاعل إحدى الحاضرات ذهبت إلى المشفى وكلما كان يقول لي هذه القصائد أو الحوادث أقول له احفظ أشعارك في ديوان خاص بك يقول حين أقرر أن أجمع أشعاري ( بحلها الله ).
لماذا تأخر في طباعة ديوان خاص به ؟
لأنهم كانوا يطلبون منه أن يحذف الأبيات الشعرية الساخنة ( سياسيا ) . لدرجة أن وزارة التربية طلبت منه قصيدة ليتم وضعها في كتاب القراءة الثانوي ولكن بشرط أن يحذف من تلك القصيدة أربعة أبيات أو يغيرها إلا أنه رفض مطلقا.

هل هناك جهات غير وزارة التربية كانت تطلب منه أن يكتب لها أو يمدها بأشعاره ؟
نعم كثيرون وكانت المنظمة – منظمة التحرير الفلسطينية- في وقتها تطلب منه ذلك إلا أن شعوره بان سبب ذلك كان لاحتوائه وجعله ينضم إلى صفوفها إلا أنه كان يرفض . إن الشاعر يحيى كان يتمسك برأيه في معظم الأحيان ووقت الاجتماعات كان يزعجهم برأيه وتمسكه به وكان جريئا ولا يخشى في الله لومة لائم. بالإضافة إلى ذلك لم يكن الشاعر قادر في يوم من الأيام على أن يطبع الديوان على حسابه وكان يقول سيأتي اليوم الذي أطبع فيه الديوان دون تغيير أو حذف .
وكان يفاجأ الشاعر بأن الجهات التي تطبع له قصائده كجريدة القبس كانت تحذف عددا الأبيات والوحيد الذي كان لا يحذف للشاعر من قصائده هو الشاعر أحمد مطر الذي كان ينشر القصيدة فور وصولها دون أي تبديل أو تغيير.
حدثينا عن علاقة الشاعر يحيى برزق مع الشاعر أحمد مطر ؟
جمعت الشاعر يحيى مع الشاعر أحمد مطر صداقة حميمة عبر إرسال القصائد للشاعر مطر ونشرها في جريدة القبس حيث كان محررا ثقافيا في تلك الصحيفة في ذلك الوقت . وكان أحمد مطر يقدّم قصائد الشاعر يحيى على كل القصائد الموجودة أو المعدة للنشر . وكانت قصيدة شراع الجليل آخر قصيدة كان ينوي إرسالها الشاعر يحيى لأحمد مطر . ونشرت هذه القصيدة بعد موت يحيى في جريدة القبس أو الأنباء على ما أذكر .
هل من قصيدة كان يعتز بها الشاعر الراحل ؟
نعم كان يحب قصيدة الكناري اللاجئ هذا الطائر الذي دخل علينا من النافذة إلى البيت وكان متعبا من شدة الحر يشكو العطش والجوع شعر يومها أن هذا الطائر الذي اختار دخول البيت بدلا من الهروب أنه يشبهه فكلاهما لاجئان وكلاهما حزينان على فراق الأحبة والأوطان .
كان الشاعر يحب قصيدة الكناري اللاجئ لأنه يشبهنا في حالة اللجوء وللقصيدة قصة انه في يوم من الأيام وقف على نافذتنا عصفور كنار وعندما فتحنا النافذة لم يهرب هذا العصفور وكان يلهث بشدة ودخل المنزل فشبه العصفور باللاجئ القادم إلى لاجئ فهو يشبهه تماما فكتب هذه القصيدة . إن الشاعر كان يعتز بهذه القصيدة
هل من قصيدة كان لها مكانة خاصة في قلبك ؟
بالتأكيد إنها قصيدة ( شراع الجليل ) هي آخر قصيدة كتبها أملاها علي في يوم وفاته وكانت عن العملية الفدائية بالطائرة الشراعية لقد كتبتها بنفسي كلمةً كلمة وكان يعيد ويتابع لقد كانت قصيدة مؤثرة وأحببتها كثيرا لأنها تذكرني بالشاعر الراحل ولأنني أعتبر نفسي شاركته بهذه القصيدة وبعد أن كتبتها وراجعها وضعها بمظروف لإرسالها إلى الصحيفة وقد نشرت بصحيفة كويتية بعد وفاته .
آخر قصيدة له كانت شراع الجليل وكتبها وهو مريض وكنت أنا من أكتبها يعني هو يملي علي ما أكتبه فبعد أن كتبتها قال لي أريني وعندما قرأ ما كتبت قال لي أن ستضيعيني ولم أعد أذكر ما كنت قد كتبت بدل الفاء غين أو العكس والله لا أذكر . وقال لي أنا أملي عليك فيجب أن تكتبي بشكل صحيح وأنا أعتز بقصيدة شراع الجليل لأني أنا من كتبها وهو يملي علي وانتهى منها قبل وفاته بلحظات .
يوم الرحيل 14-1-1988 …كيف كان ؟
قبل وفاته طلب مني أن أجلب هل دليل الهاتف وكان الوقت عصرا وقلت له الوقت غير مناسب ليتصل بالناس إلا انه رفض كلامي واتصل بالكثيرين من معارفه ليسلم عليهم ويطمئن عليهم أذكر كيف طلب من الطبيب الفيزيائي المعالج أن لا يأتي في آخر مرة حضر فيها قال له لا تأتيني مرة أخرى أنا تعبت يكفي وحين أصر الطبيب على أن يلتزم بمواعيده مع مريضه الشاعر قال له إن هذه الزيارة ستكون الأخيرة وتوفي في ذلك النهار.
يوم وفاته كان يوما صعبا جدا رحيله كان مؤلمًا المبنى السكني الذي كنا نسكن فيه تحول كله إلى مأتم كان هناك ثلاثة شقق لجيراننا تحولت لعزاء استقبلت المعزين من الرجال أما بيتنا فكان للنساء هذا يدل على محبيه كما قلت من كثير من الناس .
في ذكراه أقول أحيانا لو كان ” أبو محمد ” بيننا لكتب عن الانتفاضة والشهداء والأبطال وأسأل نفسي عن القصائد التي سيكتبها في الأحداث التي تمر على فلسطين في الضفة وغزة والقدس ويافا وفي كل مكان نعيش فيه لكن أحيانا أقول لقد استراح من هذه الأوجاع فلقد أصابته مجازر صبرا وشاتيلا بالجلطة حزنا على دماء أبناء شعبه فكيف سيحتمل قلبه مصائب أكثر وأوجاع جديدة ؟
أعود لأقول يرحمه الله لقد كان إنسانا وشاعرا رقيقا ومحبا لأهله وأولاد وشعبه ووطنه .