كتب ابن القيم في مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد و إياك نستعين أن كمال الإيمان بالله منازل يتدرج فيها العبد حتى يصل بطهر قلبه و جوارحه الى كمال العبودية و الخشية و المحبة و ما بين هذه المنازل العديدة مراتب كثيرة أدناها كما بيّن رسول الله صلى الله عليه و سلم في الحديث منزلة الاسلام و أعلاها الإحسان و هي منزلة عبادة المُعاينة حين يعبد العبد الله كأنه يراه مواجهة في كل أمر فلا يسأل و لا يستعين الا به كما في حديث ابن عباس “احفظ الله يحفظك” و يطمئن الى قدره نفعا و ضرا و أن مصيره بيد الله قولا واحدا رُفعت فيه الأقلام و جفت الصحف فلا تبديل و لا تغيير.
و هذه التربية المتدرجة تنطبق على كافة أمور الاسلام فقد نزل القرآن مُحكما في آي العقيدة فلما تمكن الإيمان من القلوب جاء تفصيل الأحكام و الشرائع قرآنا و سنة و قد نبه النبي عليه الصلاة و السلام الى ضرورة التدرج فقال:”ان هذا الدين متين فأوغل فيه برفق” كما نبه صحابته الى ضرورة العمل بالإيمان في واقع الحياة و أن تصدّق الجوارح مشاعر القلب فكان أبو بكر رضي الله عنه يحفظ عشر آيات ثم يعمل بها ثم يحفظ غيرها لذا أطلق العلماء على جيل الصحابة الذين مدحهم الرسول صلى الله عليه و سلم بقوله “خير القرون قرني” جيل التلقي للتنفيذ يأخذون أمر السماء ليطبقونه على واقع الأرض فيتعلمون العلم و العمل معا و قد اختلفت منازلهم في الإيمان و العمل فكان هناك المبشرون و المتنافسون و السابقون بالخيرات و كان هناك طائفة كالصحابي الذي جاء رسول الله صلى الله عليه و سلم يسأله عن أساسيات الاسلام فقط لا يريد أن يزيد عليها شيئا و هذا الاختلاف في الهمم و الأمنيات أعقبه اختلاف في منازل الجنة بين الفردوس الأعلى و أصحاب الغرف و بين منزلة آخر من يدخل الجنة
و لو طبقنا هذا على أمر الجهاد و بالذات في قضية تحرير بيت المقدس لوجدنا أن الله سبحانه و تعالى أخذ عباده بنفس سنة التدرج في المنازل فأعلى منازل المحررين هي الشهادة بأجورها التي تبدأ من الشفاعة و الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة و تتكلل بمحادثة رب العزة معاينة و دون وسيط أو حجاب ففي الحديث عن جابر بن عبد الله قال:” قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ” ألا أخبرك أن الله كلمأباك كفاحا (أي مواجهة) فقال: يا عبدي! سلني أعطك قال: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيكثانيا فقال: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون. قال: يا رب! فأبلغ من ورائي. فأنزل الله: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًابَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.”
و لكن الله علم أن سيكون في عباده ضعف في الدين و الدنيا و الهمة و القوة فجعل لهم منازل دون منزلة الجهاد الأعظم و الشهادة منازل دعم و إسناد تفضي الى بلوغ المنزلة الكبرى و إدراك الغاية العظمى بالتحرير و أول هذه المنازل منزلة الإيمان بالنصر مهما طال الزمن و عظم الخطب لقوله تعالى” فإذا جاء وعد الآخرة ليسؤوا وجوهكم و ليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة” و بشرى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن آخر الخلافات الاسلامية و خلافة الهدى ستكون في بيت المقدس في حديث ابن حوالة ” إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة…” و في حديث آخر” فإذا كان ببيت المقدس (أي الخلافة) فتم عقر دارها”
إن فقدان الأمل و الإيمان بتحرير بيت المقدس بالنظر الى حال الأمة و موازين القوة السياسية و العسكرية لهو أول مراحل التخاذل و الخذلان من الداخل ذلك أن المؤمن يعمل و يترقب و يستمر في الغرس و لو تأخر الثمر أما المتخاذل فيثبط نفسه و غيره عن العمل و يستسلم لواقع الضعف و الهزيمة و هذا الخذلان الشعوري القلبي ينفي عنه صفة الإيمان بحسب ما جاء في الحديث “ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حَبَّة من خَرْدَل.”
و يدخل في منزلة الإيمان الإيمان بقدسية و بركة هذه الأرض و هو إيمان تنتقل بركته من المكان الى الانسان فهي أرض مُباركة من الله يبارك الله سبحانه من يعمل لأجلها و هذه البركة بركة زيادة و نماء غير محصورة بزمان و هي بركة مادية و معنوية بركة تحف بالمكان و تفيض على ما حوله فعن أبي كعب قال “ما من ماء عذب الا يخرج من تحت الصخرة” و قال قتادة: “ما نقص من الأرض زيد في الشام و ما نقص في الشام زيد في فلسطين.”
و يندرج تحت منزلة الإيمان أيضا منزلة الهمّ و هي أن تصبح القدس و تحريرها هما للمرء هما إيجابيا يدفع للتفكير و العمل من أجلها عملا يوميا و لو كان بكلمة طيبة أو بشق تمرة عملا مستمرا متراكما يصب في تحقيق المنزلة المبتغاة بالتحرير فالنار من مستصغر الشرر و الجبال العظيمة من صغير الحصى و في هذا يروى أن صلاح الدين الأيوبي كان عنده من القدس أمر عظيم” فكان لا ينام و لا يُنيم من قدر ما اهتمّ و انغم و استصعب الملم ” حتى أكرمه الله بفتحها
و من منازل التحرير أيضا منزلة الشوق و الحب فلولا الشوق للجنة و ما فيها من أجور و نعيم و راحة بال لما كان العمل و السعي في الدنيا و لما صورها الله لنا في كتابه حتى تبقى العيون و الأفئدة متطلعة اليها و أول الحب إدراك تلك الصلة الربانية بين قبلة المسلمين في مكة و قبلتهم الأولى في القدس و أن الذي حرم مكة سبحانه هو من طهر و بارك المسجد الأقصى و ما حوله فجاءت رحلة الاسراء و المعراج مقدسة من منطلقها الى محطتها الأولى في المسجد الأقصى و منه الى السماوات العلى و سدرة المنتهى ثم جاءت صلة الزمان في تعميق آخر للرابطة بين المسجدين ففي حديث أبي ذر قال: “قلت يا رسول الله: أي مسجد وضع في الأرض أولا؟ قال: المسجد الحرام ثم أي قال: المسجد الأقصى قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة.”فكانت المؤاخاة بين المسجدين في أهمية الزمان و المكان و الرسالة مما يستوجب الخدمة و الدفاع و النصرة لكليهما
و منها أيضا منزلة المحبين المتجردين فقد روي عن ابن عباس انه كان يأتي المسجد للصلاة فيه دون أن يفعل أي شيء آخر و لا حتى تناول شربة ماء ابتغاء للأجر في الحديث “و أيما رجل يخرج من بيته لا يريد الا الصلاة في المسجد خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه” كما روي عن العابد الزاهد بشر الحافي قوله: “ما بقي عندي من لذات الدنيا الا أن أستلقي على جنبي تحت السماء بجامع بيت المقدس” و يلحق بهم منزلة التوّاقين الى غفران ذنوبهم فقد روي في أحاديث فضائل بيت المقدس أن ” من أهلَّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى الى المسجد الحرام غُفر له ما تقدم من ذنبه أو ما تأخر أو قيل وجبت له الجنة”
و من المنازل منزلة الإمداد و العون و الإعداد ففي الحديث ” من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا و من خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا” و قد حرص رسول الله صلى الله عليه و سلم بإبقاء منزلة الإمداد و عمارة المسجد الأقصى مفتوحة و لو في أدنى مراتبها فقال لمن لم يستطع زيارته و الصلاة فيه “فليهد له زيتا يُسرج في قناديله”
و من ثم منزلة المرابطين و هم من الطائفة الظاهرة و خيار أهل الأرض الذين وعدهم الله بالنصر ففي الحديث: “لا يزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين… في بيت المقدس و أكناف بيت المقدس” و منزلة الناذرات أولادهم و الناذرين فقد نذرت إمراة عمران و هي ممن اصطفاهم الله على العالمين ابنتها مريم لخدمة بيت المقدس و قد نبه رسول الله صلى الله عليه و سلم صحابته الى ضرروة تربية أولادهم على محبة المسجد الأقصى و لزومه فأجاب الصحابي عندما سأله” يا رسول الله ان ابتلينا بالبقاء بعدك أين تأمرنا؟ قال: عليك ببيت المقدس فلعله أن ينشأ لك ذرية يغدون الى ذلك المسجد و يروحون”
إن التقليل من أي منزلة من هذه المنازل أو أي شعور أو عمل أو مبادرة تجاه بيت المقدس هو الهزيمة الحقيقية إن النصر الحقيقي يبدأ بالإيمان بالنصر و لولا هذا الايمان لما انتصر المسلمون في بدر و هم أذلة في العدد و العدة إن النصر و التحرير و صناعة التاريخ تبدأ بالقليل قبل الكثير كما يقول مالك بن نبي ” إن التاريخ يبدأ من مرحلة الواجبات المتواضعة في أبسط معنى الكلمه الواجبات الخاصه بكل يوم بكل ساعة بكل دقيقة و ليس في معناها المعقد كما يعقده عن قصد اولئك الذين يعطلون جهود البناء اليومي بكلمات جوفاء و شعارات كاذبه يعطلون بها التاريخ بدعوى أنهم ينتظرون الساعات الخطيرة و المعجزات الكبيرة”









