فقرٌ وإعاقةٌ عقليةٌ لازما الشاب حسين فتحي الرقب(18عامًا) منذ طفولته وحتى استشهاده برصاص قوات الاحتلال خلال مشاركته بمسيرات العودةجنوبي قطاع غزة.
معاناته من ضمور عقلي منذ ولادته لم تجعله يتوانىفي مساعدة والديه لتحصيل قوت عيشهم اليومي والعمل بشكلٍ مُضنٍ؛ لجمع مبلغ من الماليبني به منزلاً صغيرًا يأوي أسرته كما كان يحلُم وينتشلها من المنزل القديم المُتهالكالذي تستأجره بأحد الأحياء الريفية شرق خان يونس إلا أن رصاصة إسرائيلية قاتلة سبقتحُلمه.
مسلكٌ رملي يمتد لأكثر من 50 مترًا عن أقرب طريقمُعبد عليك أن تسلكه كي تصل لمنزل الشهيد المُشيّد من الحصى. أما جدران “المنزل”فتشقّقت وباتت آيلة للسقوط أمّا سقفه فمن الصفيح ولا أثاث متوفر في البيت الذي يتوسطأرضًا خالية سوى من شجرتي جمّيز ونخلة عمرهما من عمر تشييده.
تلقى الشهيد حسين دروسًا في مدرسةٍ خاصة بذوي الإعاقولضيق وضعه المادي كان يقطع ستة كيلومترات يوميًا سيرًا نحو مدرسته حتى قرر هذا العامألا يُكمل تعليمه وفقًا لكلام والدته ختام الرقب.
وتقول الأم: “تفرّغ حسين لجمع الخردة كعلبالمشروبات الغازية الفارغة ويبيعها مقابل مبالغ زهيدة ينفقها على نفسه وعلينا”.
“قوت مغموس بالموت”
منذ أسابيع جهز “حسين” لنفسه عربة مكونةمن ثلاثة “صناديق بلاستيكية” تسير على إطارين صغيرين يصطحبها للحدود الشرقيةليجمع علب الألمنيوم الفارغة وبقايا قنابل الغاز التي يطلقها الاحتلال تجاه المتظاهرينالسلميين ويعود بها للمنزل؛ ليبيعها لتجار “الخردة”.
لم تكُن تتوقع الأم المكلومة أن يعود ابنها شهيدًاأثناء جمعه لتلك “العلب الفارغة” من وسط جموع المتظاهرين خاصة أنه من ذويالإعاقة ويذهب لجمع قوت عيشه ولا يشكّل خطرًا على جنود الاحتلال الذين يرونه.
وتضيف “لم أتوقع للحظة أنه سيستشهد فهو يُعانيمن إعاقة كما أنه يسير ببطء ولا يستطيع حمل كثير من الأشياء”.
وتتساءل بحسرة وألم: “ماذا فعل ابني؟ ما هوذنبه؟! عاش فقيرًا حالمًا بواقع ومنزل أفضل لكنه رحل دون أن يحقق ذلك”.
وتابعت والدموع تنهمر من عينيها “مؤخرًا زرعفي فناء المنزل بعض الزهور والورد واليوم قطفتها لأضعها على جثمانه؛ لأنه لن يعودمرةً أخرى”.
وذكرت الأم أن أسرتها تعاني منذ أشهر ظروفًا اقتصاديةصعبة فهي لا تمتلك مالًا لشراء غاز طهي ما اضطّرها لاستخدام فرنٍ صغير من الطينوكان نجلها الشهيد يساعدها في جمع الكرتون والحطب لإشعاله في ساحة المنزل الصغير الآيلللسقوط في أي لحظة.
صدمة وحزن
عماد الشقيق الوحيد “لحسين” عبّر عن صدمتهالشديدة لاستشهاده أخيه الذي كان رآه للتو بين المتظاهرين يجمع العلب الفارغة وبقاياقنابل الغاز المُسيل للدموع وإذ به يصطدم بخبر إصابته بعد فترة قصيرة من رؤيته ثماستشهاده بعد ساعات متأثّرًا بإصابته.
ويؤكّد لمراسل “صفا” أن شقيقه لم يقُمبشيء يؤذي جنود جيش الاحتلال متسائلًا باستغراب “كيف يجرؤون على قتل مُعاق؟!”.
ويوضح أن شقيقه لا يؤذي أحدًا بل يخرج ليساعد الناسمقابل أجر بسيط ليساعدهم في مصروف البيت الذي لا يجد مكانًا للنوم فيه سوى في ساحاتهالصغيرة.
غير بعيد عن عماد وقف الشاب “أحمد البريم”الصديق الوحيد للشهيد حسين والحزن بدا جليًا على قسمات وجهه.
وفي حديثه لمراسل “صفا” يروي البريم”ذهبت معه قبل أسابيع بناءً على رغبته لكي أساعده وأصيب طفل بجواره وقرر ألايعود مرةً أخرى ونصحته بذلك خشية على حياته لأن الاحتلال لا يفرق بين أحد”.
ويشير البريم إلى أن صديقه كان لا يستطيع الحركةكثيرًا؛ بسبب إعاقته لكن ظروفه الصعبة هي التي جعلته يتحرك وأخبره أنه ينوي تجميعوشراء حجارة من المبلغ الذي يوفره يوميًا لكي يبني بها منزل يعيش به مع أسرته.
واستذكر موقفًا لصديقه الشهيد حينما خرجا سويةًلجمع الخردة حينها قال له الشهيد حسين “إذا جمعت مبلغًا جيدًا سأشتري طعامًالأسرتي وحفاظات لابن شقيقي. يومها لم يجمع مبلغًا كافيًا واستدان مني (خمسة شواقل)لعدة ساعات ثم أرجعها لي لاحقًا”.
ومنذ 30 مارس الماضي يواصل جيش الاحتلال الإسرائيليقمع المظاهرات السلمية التي ينظّموها المواطنون في مخيمات العودة شرقي قطاع غزة؛ للمطالبةبحق العودة وكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ 12 عامًا.
ووفقًا لوزارة الصحة قتل جيش الاحتلال 197مواطنًاوأصاب أكثر من 21 ألفًا آخرين بجراح متفاوتة.
وكان من أبرز الشهداء الذين أعدمهم جيش الاحتلالالشاب المقعد إبراهيم أبو ثريا الذي فقد قدميه في قصف إسرائيلي لمنزل عائلته ثم فقدروحه برصاص قناصة الاحتلال رغم إعاقته الجسدية الظاهرة.










