ليست هذه هي المرة الأولى التي يهب فيهاالمغاربة لنجدة الفلسطينيين ونصرتهم وإغاثتهم ومد يد العون إليهم وتأييدهم والوقوفمعهم وتبني قضاياهم والدعوة إلى تخفيف معاناتهم ورفع الظلم عنهم والمبادرة إلى كسرالحصار عنهم ورفض الإجراءات القاسية بحقهم واستنكار عقاب الأغراب لهم وجحود الإخوانبحقهم وظلم الأعداء لهم وتآمر الأشقاء ضدهم.
فقد اعتاد الشعب المغربي الذي تشهد شوارعمدنه كلها على مسيراته المليونية ومظاهراته العملاقة المناصرة لفلسطين وقضاياها الغيرةعلى هذا الشعب والغضب من أجله والاستنفار في سبيله وتقديم كل ما يمكنه وفاءً له وتقديراًلنضاله وحباً لأهله وحرصاً عليهم كما اعتاد على تقديم العون له وتفضيله على حاجتهومصلحة أبنائه فهم يرون في الفلسطينيين رمزاً للكرامة وعنواناً للنضال وأهلاً للمقاومةوشرفاً للأمة ولهذا فإنهم يعتزون بهم ويفخرون بتأييدهم ويتباهون بأنهم سباقون فيمواقفهم ومتميزون في نصرتهم ومختلفون في عطائهم.
ليس الأمر مستنكراً ولا مستغرباً ولا هوبالنادر أو الشاذ ولا هو بالسابقة الأولى أو المرة اليتيمة بل سبق للمغاربة أن كانواهم المبادرين الأصائل والسابقين الأوائل ويشهد الفلسطينيون لهم دوماً على بيض الصنائعوكثرة الشمائل وسخاء اليد وطيب النفس وجود البذل وفضل العطاء فهذه هي طبيعتهم تجاهفلسطين وفطرتهم مع أهلها وعادتهم التاريخية مع شعبها إذ ما كانوا يتركونه وحدهولا يتخلون عنه ولا يعرضون صفحاً عن معاناته ولا يستنكفون عن تلبية حاجاته رغم أنهمليسوا أثرياء أو أغنياء بل غالبيتهم من الفقراء ومن متوسطي الحال الذين لا يملكونعقاراتٍ ولا يديرون استثماراتٍ ورغم ذلك فإن عطاءهم كالسيل لا يتوقف وجودهم كالمطرلا ينقطع وخيرهم يثمر حيث يقع ويصيب حيث وصل وينفع أينما حل.
لكن نصرة المغاربة لقطاع غزة اليوم مختلفةعن كل مرةٍ سابقةٍ ولا تتشابه مع المبادرات التي سبقت وإن كانت تنطلق كلها من ذاتالغيرة العربية والإسلامية ومن الإحساس بحقوق الأخوة والإنسانية وأمارات المروءةوالنخوة والنبل والرجولة والشرف فقطاع غزة اليوم في ظل مسيرات العودة الوطنية الكبرىوالحصار الخانق اللئيم الذي مضى عليه أكثر من اثني عشرة سنة يعاني من الموت الزؤاموالقتل البطيء والتجويع المهين والفقر المذل والعوز المخجل واليأس المقصود والقنوطالمأمول والتضييق المتعمد بقصد تركيع هذا الشعب العظيم وإخضاعه وإجباره على القبولبما يعرض عليه ويقدم إليه.
تأتي المنحة المغربية التي حملتها سبعةعشر طائرة عسكرية فيها مؤنٌ ومساعدات وأدوية وتجهيزات ومعداتٌ وأدوات يحتاجها مواطنوقطاع غزة الذين يعانون من قسوة الحصار الخانق ويشكون من قلة ذات اليد وانعدام السيولةوالنقد لعدم وجود تجارة داخلية وخارجية وجمود عجلة الاقتصاد الصغيرة وتوقف دورةرأس المال المحدود تأتي في وقتٍ عصيبٍ يحتاج فيه الفلسطينيون إلى كل شيء ويبحثونعن أصغر الأشياء وأبسطها ويتطلعون إلى ما يقيم أودهم ويحفظ حياتهم ويذهب عنهم غولالمجاعة ومرارة الانكسار وإن كانت المنحة المغربية لا تكفي حاجة الناس إلا أنها تبقىندىً ترطب القلوب وأوداً يقيم الظهور وزيتاً يسرج القناديل وعاطفةً ومشاعر تبقيعلى الأمل وتحافظ على الرجاء.
لكن أعظم ما حملته المنحة المغربية كانالمستشفى العسكري الميداني وطواقمه الطبية المختلفة ومعداته وتجهيزاته وأدواته التييحتاج إليها المرضى والمصابون فمسيرة العودة وبأيام جمعها العشرة خلفت أكثر من أربعةعشر ألف جريحٍ ومصابٍ جراح بعضهم خطرة وكثيرٌ منهم مهددةٌ أطرافهم بالبتر وحياتهمبالعجز والشلل إذ أن جنود الاحتلال تعمدوا إصابتهم برصاصٍ جديدٍ يهتك أنسجتهم ويفتتعظامهم ويقطع شرايينهم ويمزق أوردتهم ويتركهم في حالٍ أقرب إلى الشلل أو العجزإذ لا سبيل لعلاجهم في طل الحصار ونقص المعدات الطبية والأدوية والتجهيزات الخاصة بالعملياتالجراحية فيلجأ الأطباء إلى بتر سيقانهم وقطع أطرافهم أو أن يتركوا للتسمم السريعوالموت.
حاجة قطاع غزة إلى هذا المستشفى الميدانيوإلى غيره ماسة جداً وملحة للغاية وربما قد جاء في الوقت المناسب والظرف الأقسى حيثعلا صوت الغزيين وارتفع وضجت وسائل الإعلام بشكواهم وعرف العالم بوجعهم ولكن صمواعن الشكوى آذانهم وأغمضوا عن الحق عيونهم وأطلقوا يد المحتل المجرم تقتل وتبطش وتصيبوتجرح وكأنه لا يقتل بشراً ولا يعتدي على حياة شعب ولا يقترف جريمةً بشعةً ضد الإنسانية.
لهذا جاء المستشفى في وقته وأوانه المناسبفقد يحمل معه الشفاء لبعض الجرحى والسلامة لبعض المصابين وقد يعيد أطباؤه المغاربةبزيهم العسكري في شهر رمضان المعظم الأمل إلى قلوب اليائسين والبسمة إلى شفاه القانطينالخائفين وقد يكتب الله على أيديهم الفرح لأسرٍ مكلومةٍ وبيوتٍ موجوعةٍ ويجتمع بفضلهمشمل آباء مع أطفالهم وأبناء مع أهليهم ويكون عيدهم بعد أيامٍ قليلة عيدين عيدٌ يحملمعه فرحة الفطر وآخر يحمل معه نعمة الشفاء وسعادة اللقاء.
رغم أن هذا المستشفى الميداني لا يستطيعأن يقوم بكل شيء ولا أن يلبي كل الحاجة وذلك لكثرة الإصابات وعِظَمَ وخطورة الإصاباتونقص الإمكانيات وقلة الأدوية والمعدات وضيق الوقت وحرج الانتظار إلا أن هذه المنحةالملكية الكريمة تبقى عنواناً للأصالة المغربية ورمزاً للتضامن الأخوي العربي ومثالاًلنداء الواجب وصرخة الضمير الحي فللملكة المغربية القصية البعيدة العزيزة الكريمةالشقيقة الكبيرة الأبية الأمينة شعباً وجيشاً وملكاً كل الشكر والتقدير والحب والعرفانحفظها الله بلداً آمناً سخاءً رخاءً وحفظ أهلها أعزةً كراماً وأبقى الله جيشها قوياًيحمي حدودها ويذود عن حياضها ويحفظ كرامة شعبها.










