تقارير | مختارات

هنادي الحلواني.. ظروف قاسية في سجون الاحتلال


تموتُ الحروف وهي تحاول أن تستندَ على جراحاتَ الأمة الغائرةِ فتَصفها تتكسّر أمواجُ المشاعر المثقلة بالحزن على صخور الواقع المرّ ونحنُ ننصتُ إلى حُرّةٍ باعت وقتها وروحها لتزجّ ذلاً خلف قضبانٍ جافّة دون حراك من هذه الأمّة التي كادت أن تكون “خير أمّة أخرجت للناس ” فانغمست في مستنقعات الهوى وأوحال الخوف .

المرابطة “هنادي الحلواني” تتحدث عن اعتقالها الأخير الذي كان في فجر السابع عشر من شهر سبتمبر حين اقتحم الجنود منزلها قبيل الفجر وقاموا بتقييدها وتكبيلها على مرأى من زوجها وأبنائها والعبث بمحتويات المنزل ومصادرة كلّ شيءٍ قد يثبتُ تهمةً عليها .

تقول: “منعوني من الحركة وهم يحيطون بي من كلّ جانب حتى حين طلبتُ الوضوء والصلاة رافقتني المجنّدة لداخل دورة المياه حتى انتهيتُ من الوضوء وشرعتُ بالصلاة رغم رفض الضابط لذلك وحين رآني شرعتُ في صلاتي صمت”وبلا أدنى إنسانيّةٍ تقادُ مكبّلة اليدين والقدمين بعد أن أيقظ الجنود كلّ سكان العمارة وهم يطرقون أبوابها ويصرخون ليشاهدها الجميع من خلف الأبواب وعلى النوافذ وهي تُلقى في سياراتهم النجسة التي تجمّعت حول البيت ليظفروا بهذا الصيد الثمين “امرأةٌ عزلاء لا سلاح تملكه سوى : الله أكبر” .

استمرّ التحقيق لما يقارب الثلاث ساعات حول تهمةٍ يحاولون إلصاقها بها “الانضمام لتنظيم المرابطين المحظور” ثمّ إلى المحكمة في البوسطة اللعينة التي تعتبر من أقسى المراحل التي يتعرض لها السجينُ في سجنه تقول المرابطة هنادي الحلواني عن لقائها الأول داخل قاعة المحكمة برفيقتها المعتقلة من أسبوعين منصرمين خديجة خويص: “رأيتها لمحتُ في عينيها ألماً لم أشأ له أن يظهر لغيري فابتسمتُ لها ابتسامةَ أملٍ علّها تشدّ من أزرها لا أريدُ للعالم أن يرانا إلا شامخاتٍ منتصرات لن يكسرنا شيء ابتسمتُ بأملٍ وأنا أعلم أن الكثير من الألم ينتظرني في دهاليز التحقيق “أمرت المحكمة بتمديد اعتقالها لمدة ثمانية أيامٍ بطلبٍ مرحبٍ به من المدعي العام وقد كانَ فعلاً رغم محاولة المحامي استئناف الحكم لدى محكمة الاستئناف إلّا أنّ الاستئناف رُفض بدعوى أنّها مجرمةٌ خطيرة على أمن الكيان الصهيوني ويتطلّب التحقيق معها لوقتٍ وجهدٍ كبيرين لتنقل إلى سجن الشارون المخصص للسجناء بتهمٍ أمنيّة .

والنقل من المحكمة إلى سجن الشارون يمرّ برحلةٍ طويلةٍ من العذاب تستمرّ لساعاتٍ طويلة قد تصل إلى اثنتي عشر ساعةٍ رغم أنّ السجنَ يبعد مسافة لا تتجاوز الساعتين تنقّل من بوسطةٍ لأخرى وهي مقيّدة اليدين والقدمين بلا رحمة طوال هذه المدة بلا طعامٍ ولا شراب ولا دورات مياه في حين يتعمّدون تشغيل المكيّف في البوسطة على درجة تبريد عالية جداً تفوق الاحتمال .

وعن عذاب البوسطة تقول بحرقةٍ كادت تخنق حروفها : ” تعمّدوا في إحدى المرات وضعي لمدةٍ تزيد على الأربع ساعاتٍ مع سجينةٍ اعتادوا عزلها عن باقي السجينات لأنها تعاني من شذوذٍ جنسيّ أغلقوا البوسطة علينا وأغلقوا التبريد ليتركوني فريسةً لشاذةٍ في درجة حرارةٍ لا تطاق ” وتضيفُ بحرقةٍ أكبر : “قتلني ما فعلته بي بهذه الساعات الأربع” .

أما عن سجنها الذي وضعت به قالت : “رأيتُ في ذلك السجن ما يندّ له الجبين سجيناتٍ قاصرات محكوماتٍ بأحكامٍ كبيرة لتضيع زهرة شبابهنَ خلف القضبان في سجنٍ معزول عن العالم تماماً حتى التلفاز ممنوعةٌ فيه كل الفضائيات إلّا الهابطة منها “وعن سجينات هذا السجن باحت بتفاصيلٍ كادت تكون من الخيال سجينةٌ مصابة بحروق في كلّ جسدها وأخرى برصاصةٍ في عينها هشّمت لها جمجمتها وثالثةٌ برصاصةٍ في قدمها أفقدتها القدرة على استخدام قدمها والعلاجُ الوحيد لكلّ ذلك حبوبٌ منوّمة تروح السجينة بعدها في سباتٍ طويل لساعاتٍ طويلة !تعرّضت المرابطة هنادي الحلواني لأربع محاكماتٍ وخمس تحقيقاتٍ خلال فترة سجنها وفي كلّ تحقيقٍ لا يكفّ المحققون عن السخرية منها كقولهم : “كيف الطريق من السجن لهون؟ ما تغلبتي أكيد” وهم يعلمون حجم المعاناة والذل التي تتعرض له في طريقها الطويل حتى تصل للتحقيق وبخطوةٍ لئيمةٍ قاموا باستدعاء زوجها وابنتها للتحقيق في محاولةٍ منهم لجرّ اعترافٍ منهما عليها .

تقول عن إحدى التحقيقات : “نظر المحقق إليّ وهو يقول : أنتِ خطرٌ عظيم على هذا الكيان فأجبته : الخطر ما تفعله أنتَ معي عليكَ أن تعلم أنّه إذا نفّذ أحدهم عملية استشهادية فإنك تتحمّل المسؤولية كاملة لن يصمت الشعب على زجّ حرائره بالسجن دون ردّ”وقد قدّر الله فعلاً أن تحصل عمليةً استشهادية راح فيها ثلاثةٌ من القتلى وجريحٌ لا زال يرقد في سرير المرض .

وبتحقيقٍ آخر هدّدها المحقق بالمكوث الطويل داخل سجن الشارون فأجابته ببرود: “وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً لعلّ مكوثي بهذا السجن فيه خيرٌ لي وللسجينات فأنا أقوم بتعليمهنّ القرآن وأمور دينهنّ كما أنّي أمارس تخصص الخدمة الاجتماعيّة معهنّ أستمع لمعاناتهنّ وأخفّف عنهنجنّن جنون المحقق واستشاط غضباً وهو يستدعي مدير السجن ليخبره بما سمع منّي محتجاً على أن يُوفّر للسجينات فرصة البوح أو فرصةُ تعليمٍ لأمور دينهنّ.

“مرّت الأيام طويلةً قاسية حتى قررت المحكمة الإفراج عنها بشروط قاسية حيث تمّ إبعادها عن الضفة الغربية ومنعها من السفر لمدة 180 يوماً وعن الأقصى لمدّة شهر عدا عن قرار الحبس المنزلي لمدة 14 يوماً وكفالة مالية بقيمة 5000 شيكل طلبت فرصة 24 ساعة لدفعها فوافقت المحكمة .

ورغم قرار الإفراج إلّا أنهم قاموا بإعادتها برحلة الذلّ إلى سجن الشارون ليفرج عنها منه ومرّت خلال هذه الرحلة الطويلة بسجن الرملة ومكثت فيه من الساعة الخامسة حتى العاشرة مساءً وعن تلك الساعات تقول: “مكثت هذه الساعات تحت مكيف شديد البرودة حتى تجمّدت أطرافي عدا عن القيد الذي تعمّدوا أن يشدّوه حتى احتكّ بعظامي وأنا أتمنّى فقط أن يفتحوا الباب لثوانٍ معدودة ليدخل إليّ قليلٌ من الهواء الدافئ لكنّ ذلك لم يحصل” وتضيف : “رأيتهم يوزعون الطعام على سجناء ذلك السجن فطلبتُ من المجنّدة بعض الطعام نظرت إليّ وكأنّي أطلب روحها وهي تصرخ بي : أنت سجينة ولستِ في فندق الطعام ممنوع .

واستمرّت تهينني وتصرخ بي حتى كدتُ أفقد وعيي قهراً”أُعيدت المرابطة هنادي إلى سجن الشارون في تمام الساعة الحادية عشر ليلاً وأفرج عنها في تمام الساعة الواحدة وهم يخبرونها بضرورة مراجعة المحقق في مركز عوز للضرورة القصوى قبل العودة لمنزلها إلّا أنها حين تواصلت مع المحامي أخبرها أن تعود لمنزلها وهو سيتحقّق من الأمر لتعلم بعد ذلك أنّهم كانوا يحاولون تمديد اعتقالها لعدم دفع الكفالة بعد أن أخبروا المحامي أن اليوم التالي لذلك اليوم سيكون يوم عيد لليهود وستغلق فيه كل المؤسسات الرسمية والبنوك وستنتهي ال24 ساعة التي أمهلتها المحكمة لها قبل أن تدفع إلّا أنّ الله سلّم وتم تدارك الوضع قبل تمديد الاعتقال.

وتنهي المرابطة حديثها وهي تقول: “الحمد لله الذي نجّانا من القوم الظالمين وأعادنا لأهلنا سالمين غانمين ولكن ماذا بعد ؟ حرائر الأقصى تزجّ بالسجون وينزع عنها حجابها وتهان وتذلّ أشدّ المذلة وشيخ الأقصى لا ينتصر له أحد فماذا بعد ذلك؟ “