بعيداً عن الوطنْ..
بعيداً عن عبقِ القُربِ ودفءِ الأرض!
بعيداً عن حدائقِ الزَّيتونِ والحيِّ الصَّاخبْ..
وبعيداً عن نبْضِ رُوحيْ..كنتُ أحيا باختِناقْ..
أتعلمُ كيفَ أنْ تكونَ بلاْ وطَنْ ؟
بلاْ أرضٍ تملكُها وتزرعُ فيها أحلاماً مُثمِرَة وَ وَردَ حُبِّ يُصافِحكَ كلَّ صبَاحْ ؟
أرضٍ فيها تتنفَّسُ الحريَّةَ بِلا وَجَلْ؟
أتعرِفُ كيفَ أن تكونَ وحيداً بارداً قَفراً لا يُزهِر ؟
تُطعِمُ روحَكَ رغيفَ حُلُمٍ يبُسَ من كثرةِ إرجائه
ويُطبَعُ على جبينِكَ أربعةُ أحرُفٍ تُهدرُ كرامتَكْ:
“لاجئ” !
لاجِئْ ؟؟
لم أطلُب منهمْ لجوءاً..!
هُم من فعلُوا بي ذلك حينَ غادرتُ بيتي لأجلبَ بعضَ “حِجارةٍ”.. وأعود!
لكنَّهم أغلقوا بابيْ في وَجهِي:
– ليسَ لكَ مكانٌ هنا!
ليسَ لكَ أرضٌ ولا حَقلٌ ولا زيتونةٌ تزرعُها أو دحنونةٌ تشتمُّ سحرَ عبيرِها..
ليسَ لكَ حلُمٌ ولا أمنيةٌ تغرسُها بكفِّ روحِكَ
إلاَّ وقد أعددتَ لها كفناً في اليوم التالي..
كلُّ الأرض منفى لكْ فتخيَّر منها ما تشاءْ..!
كنتُ كلًّما أطرقتُ في منفاي
أرى ثقباً رهيباً ينوءُ به قلبيْ..
أرادوا لنا ألاَّ نحلُم
لكنّني أرى في أغوار الجُرح ملامِحَ حُلمنا..
وبينَ أستارِ العَتمِ أطيافاً منْ نُور..
كانتْ تُناديْ عليّ
تمُدّ لي يَداً..
وبعيداً كنتُ أسمعُ صوتَ أمّي ..
كُنتُ طِفلَها الذي أنجبتني لـ الموت أوْ لـ لأصليَ في القُدسْ
وكانت صُلبةً وهي تدفعُني للموت ..
أقبلتْ إليَّ وكأنَّ قلبها على مَوعِد..
طوَّقتني بذراعيها قبلَ أن أتلاشى في حُضنها للمرَّة الأخيرة..
– دعواتُكِ يا غالية
أن نُكملَ الحُلمَ هُنااكْ!
قبّلتْ جَبينِي بأمُومة غامِرَة واومأت إليّ أن أَمضي ..
لم ترَاني بعدَها!
لكنَّ همسَ صَوتي ما زال يتردَّدُ فِي منفاهَا :
” سَنكملُ الحُلُمَ مَعاً…”









