قضيتُ أعوام ستة في العمل ضمن صفوف المقاومة الفلسطينية تحديداً كتائب “القسام” التي ارتأيت فيها أكثر الأجنحة العسكرية صدقاً وحباً لله والوطن وحفاظاً على الثوابت الفلسطينية وسجلت خلال تلك الأعوام “مذكرات” كثيرة ومتنوعة عن المفارقات التي كانت تحدث معي وأنا على الثغور بين أحبتي من شباب “القسّام” ولا زالت تلك المذكرات تحتفظ بيومٍ لم يغب عن ذاكرتي قط رغم مضي وقت طويل على مروره.
ففي ذلك اليوم “الغريب” جهّزت نفسي للخروج وارتديت ملابسي مخبئاً تحتها بندقيتي وبعض العتاد والذخيرة وكما المعتاد ودّعت أهلي وزوجتي وأطفالي الثلاثة الذين أمسكوا بي بشدة محاولين ثنيي عن الخروج كوني كنتُ مقصراً في حقهم بسبب انشغالي في عملي العسكري فداعبتهم ووعدتهم بأن أقضي معهم اليوم التالي “الجمعة” بأكمله وطَبعتُ قبلة على جبين كل منهم وغادرتهم.
وتوجهتُ إلى مكاني في أحد مواقع الرباط التي تمركزت أنا ومجموعتي فيه خلال اجتياح لقوات الاحتلال البربرية لها آنذاك وباشرتُ العمل وتجهيز العبوات فورَ وصولي وتعاونت أنا وبقية زملائي في العمل وبقينا في ذلك حتى عصر ذلك اليوم فاستَرَقنا بعض من الوقت الذي كان يمضي بسرعة وحاولنا أن نأخذ قسط من الراحة وتبادلنا أطراف الحديث الحذر بأصوات خافتة خشية سماع “خفافيش الليل” لها وفي هذه الدقائق التي لم تتعدَ عشر أصبح تفكيري يصول ويجول إلا أن صوت زميلي الذي كان ملاصقاً لي قطعه وقال لي:ما الذي يجول بخاطرك الآن؟ فأجبته مبتسماً: كم أتمنى بأن ألقى ربي شهيداً هذا اليوم فقال:ستنالها مُقْبِل غير مُدبر بإذن الله يا صديقي توكل على الله رب العالمين ورازق الصادقين.. ونهضنا مجدداً بعدما تلقينا إشارة عبر الجهاز اللاسلكي من وحدة الرصد تفيد بتقدم القوات الصهيونية تجاهنا.
وواصلنا العمل بارتياح كبير ونفوسنا كانت تَتَوق إلى الجنة مما دفعنا للقتال بشراسة وكان بعضنا يحاول معرفة ما يدور حولنا عبر تشغيل جهاز” المذياع” فأخذته ووضعته إلى جانبي بحذر شديد وكنّا نشعر بأننا ملكنا الدنيا بأسرها حينما نسمع بأن جندي صهيوني قد قتل أو أصيب ونهلل ونكبر ونصلي حمداً لله ولفضله علينا.. وعند السادسة إلا ثلثاً مساءً دوّت مسامعي نغمة الخبر العاجل التي خصصتها إحدى الإذاعات المحلية لها فانتبه جميعنا إليها وترقبنا سماع “العاجل” وإذ بالمذيع يعلن عن استشهاد اثنين من المقاومين في منطقتنا فاهتزت قلوبنا من مكانها وخفقت بشدة وعلت شهقاتنا حينما كان اسمي ثلاثياً بين هذين الاسمين وتلاه تحديد عمري معتبرة أن سرعة إعلانها عن الخبر هي “سبق صحفي” انفردت به لتنافس بقية الإذاعات ولم يكتفِ المذيع بذلك بل أعاد الخبر الذي لا أساس له من الصحة كرة أخرى!.
كم كان مؤلم هذا الموقف فكيف لبشر أن يتلقى نبأ “موته” بنفسه؟! وهل باتت وسائل الإعلام تستخف بأرواح ومشاعر الناس من أجل الاستئثار بخبر يجعلها في الصدارة؟!..سحقاً لهذا النوع من البشر..هذا ما قلته في نفسي حينها بعدما بقيت في حالة ذهول استمرت لدقائق أما زملائي فهمُ الآخرين كانوا بحاجة لمن يشرح لهم هذا الأمر “المؤسف” حقاً.
لم يسعفني الظرف من اتخاذ القرار المناسب في تلك اللحظة فالخروج من موقعي كان مجازفة قد تؤول إلى حدوث ما بثته تلك الإذاعة ورفضت بأن أبلغ أهلي بأنني لا زلت حياُ عبر الاتصال بهم أو إرسال شخص ليخبرهم بذلك وبعد مضي ساعة من الزمن هرولتُ بلا تفكير إلى المنزل والأفكار تتزاحم في ذهني فتارة أدعو الله بألا يكون هذا الخبر قد وصل مسامع أهلي وخاصة أمي التي أعياها المرض وتارة أخرى أتساءل أفكر فيما حدث معي وقطعت المسافة الطويلة التي كانت تفصلني عن أهلي في بضعة دقائق لم أتمكن خلالها من التقاط أنفاسي التي كانت تعلو وتهبط بشدةوما أن وصلت مدخل “حارتنا” حتى وجدت أن سكانها ينظرون إليّ بدهشة واستغراب يحملقون بي فأدركتُ حينها بأن نبأ استشهادي قد انتشر وبعد لحظات وجدتهم يلتفون حولي بحلقة دائرية وبعضهم أمسك بي وصار يسألني :أحيٌّ أنت؟ وأخذ يتحسس جسدي ويتفقدني وكأنه لم يصدق بأنني لا زلت على قيد الحياة.
وتكرر ذلك مع معظم الذين رأوني وأنا أشق طريقي إلى المنزل وبعد دقائق وصلت إلى ما لم أتوقع حيث “سرادق” العزاء مقام أمام المنزل وفيه مجموع من الناس الذين قدموا لمواساة أهلي في مصاب اعتقدوا “خطئاً” بأنه حلّ بهم فترددت حينها باتخاذي لقرار الاقتراب من بيت العزاء خوفاً على ردة فعل أهلي ولكني لا أدري ما الذي دفعني بقوة للذهاب إليهم فاقتربت منهم بخطوات متثاقلة جرّت معها ألم وحزن قتلا فؤادي وعانقت والدي الذي تسمّر في مكانه لحظة رؤيته لي بشدة وحرارة فحاولت أن أخفف من حدة الصدمة التي ألمّت به وكادت أن توقف قلبه عن النبض وأخبرته بأن ما سمعه عن استشهادي غير صحيح وبالكاد تمكنت من استنطاقه بعض الكلمات التي عجز لسانه عن نطقها وشدّني إلى صدره وأخذ يبكي بشدة حتى بللت دموعه قميصي.
وأنا على حالي هذا سمعت صوت بقية أهلي الذين كانوا في داخل المنزل وبلغ صراخهم أذني فاقشعرّ بدني وشعرت بحزن كبير فهممت بالذهاب إليهم ولكن والدي قال لي:رفقاً بأمك وزوجك وأولادك فلا تذهب الآن حتى لا تقضي الصدمة عليهم وذهب ليخبرهم بالخبر المختلف –أنني لا زلت حياً- وبقيتُ أنتظره بين الناس الذين التفوا حولي وصاروا يسألوني عمّا حدث وفجأة وجدتُ أمي بين أحضاني وخلفها زوجتي وأطفالي الذين لم يعوا ما حدث فطمأنتهم عليّ وكل منا غارق في دموعه..ومنذ ذلك اليوم حتى اللحظة لا زال جمعنا يشعر بالامتعاض والألم كلما استحضره والسبب “سبقٌ صحفي”!.
يوم تلقيتُ خبرَ استشهادي!
الإثنين 8-مارس-2010









