تقارير | مختارات

مشروع قانون الاتصالات.. نصوص فضفاضة وتكريس لسيطرة الحكومة


بعيدًا عن الأضواء وفي غياب المجلس التشريعي خطت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات خطوات متقدمة على طريق إقرار قانون جديد للاتصالات بالقراءة الأولى والثانية بانتظار القراءة الثالثة والأخيرة قبل إصداره بمرسوم رئاسي.

والقانون المثير للجدل ينظم قطاع الاتصالات ويحدد مسؤوليات كافة الأطراف ذات العلاقة وينص على إنشاء هيئة تنظيم قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

وأثارت بعض بنود مشروع القانون لا سيما هيمنة الحكومة على تشكيلة مجلس إدارة الهيئة المنظمة وغياب المشاركة المجتمعية في صياغة القانون جدلا واسعا بين الأطراف ذات العلاقة.

اتحاد أنظمة المعلومات والاتصالات &ndashبيتا والذي يمثل الشركات العاملة بقطاع الاتصالات أبدى استياءه من تجاهل الوزارة لملاحظاته على القانون بعد القراءة الأولى وإدخاله إلى مجلس الوزراء لإقراره بالقراءة الثانية.

وقال عضو مجلس إدارة “بيتا” تامر برانسي لوكالة “صفا” أن إيجاد قانون اتصالات عصري كان مطلب الاتحاد وجميع المعنيين في القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والحكومة والمستهلك.

لكنه وبعد طول انتظار لم يكن بالمستوى المأمول من كل المعنيين بالقانون خاصة فيما يتعلق باستقلالية الهيئة المنظمة.

واعتبر أن هذه الهيئة بتشكيلتها المحددة بنص القانون ستكون مستنسخة عن وزارة الاتصالات حتى أن ممثلَيّ القطاع الخاص سيكون اختيارهم بتنسيب من الوزارة.

وقال برانسي إن “المواطن يريد خدمة بجودة عالية وبسعر معقول وفي الوقت نفسه فإن المستثمر يريد تحقيق عائد مرض لاستثماراته وهذا يحتاج إلى إيجاد معادلة متوازنة لكن بوجود هيئة مستنسخة فلن تأتي بأي جديد ولن يكون هناك تطوير”.

من جهتها دعت جمعية حماية المستهلك الفلسطيني الحكومة إلى عدم المصادقة على قانون الاتصالات لما يلحقه من ضر بحقوق المواطنين.

وقالت في بيان لها إن هيئة تنظيم قطاع الاتصالات باتت وكأنها دائرة من دوائر وزارة الاتصالات ويرأسها الوزير بحكم منصبه وهذا يتعارض مع الاستقلالية والقدرة على تنظيم القطاع لأن الوزير سيكون مهيمنا بقراراته عليها وليست مستقلة.

وأضافت أن القانون لا يؤمن الحماية لأطراف قطاع الاتصالات وخصوصا المستهلك باعتباره المستفيد الأول والمتأثر به ما يحتم ضرورة التركيز على استقلالية الهيئة.

وتساءلت عن جدوى استباق الانتخابات التشريعية بإقرار قوانين هي من صلاحيات المجلس التشريعي.

وتبدو وزارة الاتصالات مصرّة على إقرار مشروع القانون بشكله الحالي وإن أبدت استعدادها المبدئي لسماع وجهات نظر المعترضين.

وأكد المهندس إيهاب صبيح مستشار وزير الاتصالات أن الوزارة تستعد للنظر بمسودة القانون بالقراءة الثالثة في مجلس الوزراء بعد مناقشة ملاحظات الشركاء.

وقال: “أعطينا مهلة للشركاء حتى الخامس والعشرين من أكتوبر الجاري لتقديم ملاحظاتهم حول المسودة ودعونا كل الشركاء لحضور ندوة لمناقشة كل الملاحظات للنظر بها”.

وأوضح أن هناك بعرض القضايا التي للوزارة وجهة نظر مختلفة فيها عن وجهة نظر القطاع الخاص وأن الوزارة تسعى لتحقيق مصلحة المواطن والحفاظ على استثمارات الشركاء.

وأشار الى أن قانون الاتصالات الساري المفعول لم يجر عليه أي تعديل منذ فترة طويلة.

وأضاف أن قطاع الاتصالات في تطور دائم وهناك خدمات جديدة باستمرار ولهذا جاء مشروع القانون الجديد الذي تم فيه إدخال بعض التعديلات الضرورية وتنظيم بعض الأمور.

ثغرات وانتقادات

ويكاد خبراء القانون وخبراء قطاع الاتصالات يتفقون على ذات الثغرات والمآخذ في مشروع هذا القانون.

وبعث الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة- أمان برسالة لرئيس الوزراء محمد اشتية ضمّنها ملاحظاته على مشروع القانون.

وأكد في رسالته على أهمية إصدار قانون اتصالات وتكنولوجيا معلومات حديث لكنه ابدى تحفظه على تشكيلة مجلس إدارة الهيئة وسيطرة ممثلي الجهات الحكومية عليه.

وقال إن ذلك يتعارض مع مفهوم الشراكة الحقيقية وضمان الاستقلالية في عمل الهيئة ولا ينسجم مع الممارسات الفضلى في هذا الجانب.

وأكد ضرورة عدم التداخل في الاختصاصات ما بين الوزارة والهيئة موضحاً أن المادة 8 من مشروع القرار بقانون تمنح وزير الاتصالات صلاحيات فرض السياسة الحكومية على الهيئة.

فضلا عن أن الوزير بصفته رئيس مجلس إدارة الهيئة يستطيع مع ممثلي الوزارة الآخرين وفق التشكيلة التي نص عليها مشروع القانون يستطيع فرض سياسة الحكومة في قطاع الاتصالات دون الحاجة إلى هذا النص.

وأوصى “أمان” بمراجعة مدى تعزيز أحكام مشروع القانون لنظم المساءلة والتي قال إنها تحتاج إلى المزيد من الضبط.

وكمثال على ذلك ينص مشروع القانون على أن ترفع الهيئة تقارير دورية إلى مجلس الوزراء لكنه لم يفصّل ما إذا ما كانت هذه التقارير ربع سنوية أو نصف سنوية أو سنوية.

كما يجب أن يتضمن نصوصا أكثر وضوحا فيما يتعلق بحق المستهلك في التعويض عن سوء الخدمة والأضرار التي تنتج عنها وذلك تحقيقاً للعدالة ولأكبر قدر من المساءلة والمحاسبة على شركات الاتصالات غير الملتزمة بجودة الخدمة.

وأخذت الرسالة على مشروع القانون وجود بعض الاستثناءات التي قد تؤدي إلى المساس بمفهوم المساواة وخصوصا فيما يتعلق بإعفاء الجهات الحكومية والأمنية من رسوم التراخيص وهو ما قد يؤدي إلى هدر الموارد المالية للدولة.

وكذلك الاستثناءات المتعلقة بإمكانية إلغاء وتعديل الرخص لغايات الأمن القومي والتي قد تفتح المجال لعدم المساواة استنادا لاعتبارات سياسية غير مهنية وبسبب الغموض الذي يكتنف مفهوم الأمن القومي.

ورأى “أمان” أن هناك غيابا لوجود نص ينظم إدارة الموارد المحدودة لقطاع الاتصالات وعملية إعطاء الرخص بما يشجع المنافسة إذ لا يوجد ما ينظم إدارة الأجزاء التنافسية والأجزاء غير التنافسية بهذا القطاع وبنيته التحتية.

وعلى صعيد الشفافية وجد أن الثغرة الأكبر تتمثل في غياب مذكرة سياسة تشريعية أو مذكرة إيضاحية لمشروع القرار بقانون توضح المبررات والأسباب الموجبة للتعديلات التي جرت على التشريع السابق.

ويندرج ضمن هذا السياق أيضا عدم إخضاع مشروع القرار بقانون لمشاورات مجتمعية واسعة تضمن الحد الأدنى من التوافق المجتمعي بشأن هذا التشريع الملحّ والحيوي.

غياب المشاركة

وقالت هامة زيدان مديرة وحدة المناصرة والمساءلة المجتمعية بائتلاف “أمان” لوكالة “صفا” إن الانتقاد الأبرز الموجه للوزارة بهذا المجال هو استثناؤها للكثير من الأطراف ذات العلاقة المباشرة من المشاركة بصياغة بنوده ومنها مؤسسات المجتمع المدني التي تدافع عن مصلحة المواطن.

وأضافت: “وفق المعايير الفضلى لأي قانون ينبغي أن يخضع أي قانون للنقاش والتشارك من جميع الأطراف ذات الصلة قبل إقراره”.

ولفتت إلى أن مساعي الوزارة لتمرير هذا القانون تأتي في ظل غياب المجلس التشريعي باعتباره الجهة المخولة بالتشريع وبنفس الوقت استثناء منظمات المجتمع المدني.

وقالت: “هناك غياب للمنظومة التشريعية وهيمنة من الحكومة على وضع القانون وإقراره دون طرحه للنقاش”.

وبينت أن من قواعد الحكم الصالح الفصل بين وضع السياسات وتنفيذها والرقابة عليها وفي هذا القطاع فإن وزارة الاتصالات هي من يضع السياسات وعلى الهيئة متابعة تنفيذها والرقابة عليها.

لكن مشروع القانون جعل أغلبية أعضاء مجلس إدارة الهيئة من ممثلي الجهات الحكومية ورئيسها هو الوزير الذي أعطاه القانون حق فرض سياسة الحكومة على الهيئة.

وقالت: “أوصينا أن يدار مجلس الإدارة كليا أو في غالبيته من قبل خبراء مستقلين ومتخصصين في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات”.

وانتقدت ضبابية بعض بنود القانون ومنها البند الذي يعطي الهيئة حق سحب التراخيص لغايات الأمن القومي وهو مصطلح فضفاض يُخشى أن يتم استغلاله لحرمان بعض الأطراف من التراخيص لاعتبارات سياسية غير مهنية.

وعبرت عن مخاوف من أن يلاقي القانون الجديد نفس مصير قانون عام 2009 الذي بقي مشلولا حتى الآن رغم مرور 11 عاما على إقراره بسبب عدم وضع لوائح تنفيذية له.

خطوات للوراء

وزير الاتصالات الأسبق د. مشهور أبو دقة أبدى عدة ملاحظات حول هذا القانون الذي أكد أنه قديم وليس فيه أي تحديث ووصفه بأنه نسخة سيئة من قانون 1996 وقانون 2009.

وقال لوكالة “صفا”: “هذا القانون يعود بنا 20 خطوة للوراء والأفضل أن نبقى على قانون 1996”.

وانتقد غياب المشاركة المجتمعية في مناقشة القانون في ظل غياب المجلس التشريعي معتبرًا أن هذا القانون لا يحمل صفة الضرورة التي تستدعي إصداره بمرسوم.

وأبرز ثغرة بهذا القانون هو هيمنة الوزارة وممثلي الحكومة على تركيبة هيئة تنظيم القطاع وهذا أمر فريد.

وقال: “الأصل أن يكون هناك فصل في الصلاحيات ما بين التنظيم ورسم السياسات بحيث تكون وظيفة الوزارة رسم السياسات ووظيفة الهيئة تنظيم القطاع”.

وأضاف: “هناك أكثر من 170 هيئة تنظيم للاتصالات في دول العالم ولا يوجد حالة واحدة منها يمارس الوزير أو الحكومة مهمة رسم السياسات والتنظيم في آن واحد”.

وأوضح أن وظيفة الهيئة الأساسية هي فتح السوق للمنافسة الشريفة ومعالجة تضارب المصالح.

ورأى أن تركيبة الهيئة تخلق وزارة ثانية وتنشئ وظائف وهيكليات ومناصب جديدة دون تحقيق الهدف من القانون وهو التحكم بالموارد المحدودة للدولة والمتمثلة بالترددات.

وأضاف: “يجب أن يكون هناك تنظيم عادل للتحكم في هذه الترددات وهذا ما لم يحققه مشروع القانون ولم يبين كيفية تقسيم الترددات كما لم يخصص ترددات متاحة لاستخدام المواطنين”.

وأشار إلى أن مشروع القانون حدد عقوبات تتعلق بالاعتداء على شركات الاتصالات لكنه لم يحدد عقوبات للاعتداءات على حقوق الأفراد.

وأكد أن القانون يجب أن يضع يؤكد على حق المواطن بالمحاسبة والتعويض عن أية أضرار أو انتهاك لخصوصيته من مقدم الخدمة.

كما يجب أن يشجع على الاستثمار ويحد من الاحتكار وهذا غير موجود.

وقال إن طريقة طرح القانون وسعي الحكومة لتمريره دون إخضاعه للنقاش المجتمعي يعني أن الحكومة تدير ظهرها للجميع وتريد فرض أمر واقع مستغلة حالة الإحباط لدى الناس من كثرة الحراكات المطلبية.

وأضاف: “أخشى أن يتم تمرير هذا القانون بنفس طريقة تمرير قانون الجرائم الإلكترونية”.

وحذر من خطورة ما يمكن أن ينتج عن مثل هذا القانون على قطاع الاتصالات الفلسطيني.

وقال: “نحن بهذا القانون كمن يحفر قبره بيده فإسرائيل منحت الشركات الإسرائيلية تراخيص لتشغيل تقنية 5G في مناطق (ج) لتغطي كامل الضفة وإذا لم يلبِّ القانون الجديد حاجات المستهلك الفلسطيني فإنه سيتوجه للشركات الإسرائيلية”.