الشقة باردة ومقفرة وتصبح مع مرور الأيام مخيفة…
وهي فيتلك الزاوية تقبع في صمت ألفته وملايين الأفكار التي تراودها تتخذ في بالها مستقرافلا تكاد تفارقه ولا تهرب من هاجس إلا لتلقي بنفسها في أحضان الآخر غريب هو تكالبالهواجس عليها فمنها ما صنعته مخيلتها ومنها ما صنعه الناصحون..أولئك الذين لمتطلب مشورتهم يوما بل كانوا متفانين في تقديم آرائهم من ذات أنفسهم.
مع مرورالأيام تتناقص الأشياء من حولها وكأنها في إثبات أن كل شيء إلى زوال وأن ماهوكائن سوف لن يكون بعد وقت قصير…
حين جاء المساء بثقله المعتاد ووحشته التيتوقظ على نفسها أصنافا من العذابات أسرعت تحتمي بضوء شمعة أشعلت فتيلها للتووجلست القرفصاء بين يديها تتأملها..
إن حياتها تحاكي قصة الشمعة مع اشتعالالفتيل الدقيق تستمر في الذوبان لتستحيل من ذات قامة فارهة سامقة إلى كومة منالشمع مطموس المعالم لا يميز له شكل ويكتفي بالالتصاق على الشمعدان على أمل.. أوبالأحرى من غير أمل في العودة إلى حياته السابقة…
نعم هي مثل الشمعة غير أنالشمعة احترقت لتبعث بضوء يخلف بعض العرفان في ما حولها وهي تحترق وحيدة في صمتمن دون أن يعيرها أحد اهتمامه أو يعترف لها بدور..
وتجيل بصرها الواهن في أنحاءالشقة حيث رسم الضوء الخافت خيالات وأطيافا تساكنها.. وتسعى جاهدة لالتقاط أثرذكرى تلقي بنفسها بين أحضانها خوفا وطمعا..
لم يبق غير بضع قطع من الأثاثالمتبعثرة في غير نظام معين حصير فوقه سجادة بالية فرشتها التي تتخذها متكأ حينتقيل ثم هذه الجدران النصف مدهونة بالجير الأبيض… حتى الجدران باتت شاحبة وكأنهابها قد تتخلى عن لونها هي الأخرى وأن معالم المكان قد قررت أن تستسلم للرحيل.. وتختفي بالذات كما اختفى هو من حياتها..
صحيح أنها زغردت يوم جاؤوا بهمحملا..
صحيح أنها خضبت يدها ببعض من دمه القاني..
صحيح أنها بقيت لأيامطويلة تشم منديلها وثوبها الذي اعترته بقع من دمه قبل أن تنتقل تدريجيا إلى الصفوفالخلفية في خزانة ثيابها.. ثم تختفي في قعرها حيث المنسي من الأغراض التي لا تذكروجودها..
صحيح أيضا أنها صبرت..
صحيح أنها افتخرت بوضعها الجديد أحيانا بينالنسوة اللائي كن يزرنها قبل أن تقل زياراتهن شيئا فشيئا.. ثم تختفي من برنامجهااليومي تماما مراسيم استقبالهن.
وصحيح أنها تقف اليوم وحيدة على حافالذكرى
لملمت شتات نفسها المبعثرة في أركان الشقة وخلدت للنوم بعد أن أطبقتبسبابتها والإبهام على الفتيل المشتعل في وهن..
***
تنهدت بصمت وهي تفتح الباب لأختها حين جاءتلزيارتها تحمل رضيعها على ظهرها وتسحب أحد ولديها خلفها في حين كان الآخر يركضأمامها جيئة وذهابا فالشقة الخالية بدت في ناظره متسعا يمرح فيه على خلاف الزواياالضيقة في المخيم.
كانت أختها تتحدث عن الجارات وقصصهن وهي أمامها تكاد لا تعيكلماتها وظل بصرها يتابع الولد الشقي في قفزاته وحركاته المشاغبة تمنت للحظة لوأنها رزقت من زوجها بمولود يؤنس وحشتها لكنها سرعان ما سحبت نفسها من هذه الخاطرةكمن وقع في محظور فماذا يكون مصيره وهي بالكاد تدبر مؤونتها من أين تصرفعليه؟؟
جاءت الجملة التي سمعتها من فم أختها عشرات المرات قبل الآن وكأنها توحيلها بشيء جديد جدة لا خلاف فيها:
– إلى متى ستعيشين هكذا من غير كفيل؟ ثم إنكلاتزالين صغيرة وألف واحد يتمناك.. وإن تمنعت فتستكبرين وحينها ستجدين نفسكمنسية.. منسية تماما.
رن هذا السؤال في رأسها طويلا وهي تراقب شمعة تلكالليلة.
***
الشقة باردة وأركانها مظلمة بشكل مخيف والوحدةتصنع في جنباتها صفيرا يورثها وحشة على وحشة..
قريبا جدا ستختفي كل الموجودات فيالبيت وتصبح بعد أن باعت ما يباع منها عالة تستجدي الناس..
– أرأيت لا حل غيرالزواج ثم إنه ليس حراما ولا عيبا هو حق وضرورة.. ولا يغرنك ما يقلن لك.. أتركيمن يريد أن يلعب دور البطولة ليلعبه فحياتك أنت بالذات يجب أن تستمر ..
كان صوتآخر يهمس كمن هبط عليه وحي من السماء في ساعة ضائقة
– ما رأيك في جارنا أبومحمد رجل والرجل لا يعيبه غير نقص ماله.. وقد سمعت أنه يبحث عن عروس ينجب منها بعدأن اتضح أن زوجته الأولى عاقر.
تبادرت إلى ذهنها صورته ابتسامته البلهاءوطاقية يخفي تحتها صلعته حين تلفحها أشعة الشمس فتلهبها وتشعلها عرقا من طول قعدتهأمام بسطته في السوق..
وتذكرت الشمعة كان قد اختفى نصفها وتكدس عندمنبتها..
صادف أنها لا تحب الأضواء كثيرا وستبقى مجرد رأس بين الرؤوس يصيبه مايصيب من سواه لا هو بالبارز فيسهل اجتثاثه ولا هو بالضامر فيسهل سحقه..
لم تنمليلتها تلك فقد حسمت أمرها بما لا رجعة فيه.
***
أبلغت قريبته بموافقتها قالت نعم وأشاحت بوجهها ليسخجلا كما تفعل العذارى حين يهممن بالإجابة ولاخوفا من أن يصطبغ خداها بلون الشفقفقد كبرت على ذلك.. وإنما حتى لا تخونها تعابير وجهها ويظهر المضض المضض الذيتلونت به جدران البيت وأصبح بدلا للجير الذي طالما كساها…
أسرعت إلى تكميمفاه أختها التي همت بإطلاق زغرودة في الأجواء
– لا تفضحينا..
لم تكن قادرةعلى الرد على أختها التي تبرمت من سلوكهاولا على مداراة المرأة التي تقف قبالتهاباستغراب كانت تريد أن ينتهي كل شيء بسرعة ومن دون نقاشات وسواء أكان اختيارها هذابدافع الاقتناع أم بدافع الحاجة فالنتيجة واحدة.
وحدد موعد الزفاف في أقل منأسبوعين تنتقل بعدهما إلى بيته في الجهة المقابلة من الشارع الضيق.
***
الشقة باردة ومخيفة وأطرافها موحشة لم تجرؤ علىالتجول فيها يوما بحرية بل كانت تسرع إذا بلغت أركانها وكأنها تمر على أرضعذاب..
صوت غليان الطنجرة الغاضبة يتناهىإلى مسمعها من المطبخ للمرة الـ.. تظهر عيانا كومة من الثياب التي تنتظر دورهاللمرور من مراحل الغسيل والشطف والنشر على السطح.
حين أزف المغيب وقد بلغالإعياء منها مبلغا أشعلت شمعتها الأخيرة وتقرفصت أمامها كما ظلت تفعل كل ليلةوتاهت تتأمل في لون الفتيل المشتعل.. حين أدركت أنها في بيت زوجها الثاني.
لمتتغير الدنيا لم يختف البرد الذي كانت تحس به ولم تكف الريح عن الصفير فيالأركان كل ما حدث أن الشقة صارت على الناحية الأخرى من الشارع الضيق..









