حوارات خاصة

شهيدات المحرقة..ذكريات موجعة وفي رمضان تتجدد الجراح


 

مضت أشهر خمس على المحرقة التي قامت قوات الاحتلال الصهيوني بها ضمن الإعداد لعملية عسكرية واسعة أطلقوا عليها اسم “الشتاء الساخن” والتي أسفرت عن استشهاد 124 فلسطينياً بينهم أكثر من أربعين طفلاً و15 شهيدة لتوأد آلة البطش الحاقدة بذلك أحلامهم قبل أن تكتمل ومرور هذه الأشهر والأيام لم يمحُ ملامح الحزن عن وجوه أهالي الشهداء سيّما الأطفال الذين تناثرت أشلاؤهم هنا وهناك ولم يُضع مرارة الفراق فالجراح لم تندمل بعد ومع حلول شهر رمضان اقتربنا من أمهات بعض شهيدات المحرقة لنشاطرهم آلامهم وقسوة افتقادهم على موائد رمضان في سياق هذا التقرير:-

فراقكما..لوعة في القلب

“رحيلهما عني سيجعل رمضان بالنسبة لي ذكريات أليمة تعصر قلبي لفقدانهما..” كلمات حرّى خرجت من قلب والدة الطفلين الشهيدين المكلوم جاكلين وإياد أبو شباك التي شهدت قتلهما أمام عينيها ليطل رمضان هذا العام عليها بشكل آخر ممزوج بالمرارة والألم لم تذقه من قبل متسائلة:” لا أدري كيف سيمر علي رمضان هذا العام فهل سأحتمل فقدان جاكلين التي طالما رافقتني في إعداد الفطور وكانت أنيستي كونها ابنتي البكر أم أتفقد مكان إياد الذي أحببت فيه هدوءه ورزانته فمن سيصلي معي التراويح في هذا العام؟! ومع من سأتسابق في ختم القرآن الكريم؟! “لم أفقد هذا العام ولدين فقط بل فقدت صديقين عزيزين رافقاني طوال حياتهما وها هما يرحلان ويتركاني وحدي مع مشهد لن أنساه في حياتي…حينما رأيتهما يموتان أمام عيني برصاص الإجرام هنا في هذا المكان.. فإياد أصابته الرصاصة القاتلة في صدره وجاكلين هرعت لإنقاذه ولكنها لم تعلم أنها على موعد مع الموت هي الأخرى”.

“سأتعالى على جراحي”

وتحاول المسكينة أم إياد أن تُشعر نفسها بوجود فلذات أكبادها حولها فقد اشترت لكل منهما زي مدرسي وحقيبة مع بدء العام الدراسي وأهدتهم إلى طالبين محتاجين كهدية إلى روحهما وبصبر وثبات الفلسطينيات تتابع:”رغم ذلك فأنا على يقين بأن الله تعالى لن يتركني أعاني ويلات الفراق في هذا الشهر الفضيل مثلما أعطاني الصبر والاحتساب في أيامي السابقة التي قضيتها دونهما سيثبتني الإيمان بإذنه تعالى رغم جراحي التي لم تلتئم حتى اللحظة” مردفة ودموعها تنهمر من مقلتيها:” فقدان الحبيب صعب فما بالكم لو كان حبيبان فعندما أجلس على سفرة الفطور سأفتقد مكانهما ولكني لن أسمح لأحد أن يجلس عليه لأنه مكان جاكلين وإياد فهما لم يموتا وإن غاب عني جسدهما لأن روحهما تجلس هنا أمامي”.

“صفا لن تكون وسطنا”

“صفا أبو سيف” لم تكمل عامها الثاني عشر قبل أن تتوّج قائمة شهيدات المحرقة شرق جباليا شمال قطاع غزة تاركة وراءها ضحكاتها ولمساتها في كل أرجاء المنزل تقول والدتها :”مائدة الإفطار ستفتقد ضحكها وشقاوتها وستبكينا فقد شهدت أجمل اللحظات معها وكانت تصنع جواً خاص بها في هذا الشهر الفضيل فهي تختلف تماماً عن باقي أخوتها كانت تلاعب الرمل وتضفي سعادة غير معهودة على جلساتنا ولطالما اعتمدت عليها في أمور عدة عندما كنت أطلب منها شيء سرعان ما تهب لفعله.. لقد أحبت اللعب والمرح وكانت كلها نشاطاً وحيوية” وتتابع “أنجبت ست بنات وولدين فكانت صفا أجرأهم وأقربهم إلى القلب لا أدري كيف ستمضي الأيام دونها وهل ستدخل الفرحة إلى قلبي المتهرئ بعد فراقها؟”.

ورغم صغر سنها إلا أنها حافظت على الأجواء الرمضانية من خلال تجهيز الفوانيس والألعاب والاحتفال به مع أهلها وكذلك مساعدة والدتها في تحضير الطعام ليحتفظ المطبخ بذكرياتها وكذلك حرصها على إهداء والدتها ما استطاعت أن تعبر عن حبها لها من خلاله ومن ذلك ما خطته أناملها الصغيرة “أمي العزيزة الغالية الزهرة التي لا تذبل مهما حدث..” لتهدي هذه الكلمات إلى والدتها مرفقة بتذكار جميل زينته وطلبت منها أن تحتفظ بها .

شريط استشهادها

وفي كل حديث يدور حول شهر رمضان تستحضر الأم الساعات التي قضتها مع طفلتها وهي مفارقة للحياة :”عندما أصيبت حملها والدها بين ذراعيه وقدم إليّ وقال ابنتك أصيبت.. لا أدري ما أصابني لحظتها ..وضعناها على السرير وهاتفنا الصليب الأحمر والإسعافات ولكن أحداً لم يتمكن من فعل شيء بسبب استمرار إطلاق النار فأخبرنا العاملون في الصليب بأن نضغط بضمادة على مكان جرحها ونرفع يديها لأعلى وكذلك فعلنا ولكنها قالت لنا :اتركوا يديّ وسأعيش واستجبنا لها ففارقت الحياة على الفور بعد ساعتين من نزيف دمها.. لقد استشهدت أمام عيناي ولم نستطع أن نفعل لها شيء وبعد استشهادها اتصلنا بالصليب الأحمر فأخبروني بأن أخرج وأحملها على ذراعي وبأن ترفع جدتها راية بيضاء فخرجنا والدماء تغطيها ولكن جنود الصهاينة المتمركزين في تلك المنطقة أطلقوا النار مجدداً صوبنا فتراجعنا وسقطت صفا مني على الأرض فحاولت أن أحملها ولم أتمكن فجررتها وعدنا بها إلى البيت وبقيت ستة عشر ساعة في حضني وهي متوفية.. أخذت أتحدث إليها وكنت أتمنى أن تبادلني الحديث كنت بحاجة لسماع صوتها الحنون ولابتسامتها البريئة التي كانت تحول الحزن إلى فرح.. آآآآه يا صغيرتي كم اشتقت إليك وإلى مداعبة خصلات شعرك الشقراء..أتذكرين كيف كانت قهقهاتك تزلزل أرجاء البيت؟.. أتذكرين كيف تدخلين الفرحة إلى قلوبنا دونما استئذان؟ إن نسيتي فأنا أذكر يا حبيبتي”.