مرَّ عام كامل على الذكرى السنوية الأولى للحرب الهمجية التي شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلية على قطاع غزة فكان من واجبنا نحن كإعلاميات وصحفيات لهن الباع الصحفي في المجال الإعلامى إظهار الحقائق والجرائم الصهيونية بحق شعبنا فنحن لم نبخل بأى شي من أجل إظهار حقيقة الجرائم التي ارتكبت بحق الطفل والمرأة والصحفيات أنفسهن فالصحفية الفلسطينية تعرضت للكثير من الانتهاكات بحقوقها الإنسانية و المهنية ومن ضمن هذه الحقوق سنتحدث عن حق حرمت منه المصورة الصحفية الفلسطينية إيمان محمد لمنعها من السفر من أجل استلام جوائز استحقتها على إثر تغطيتها للحرب بالصور الصحفية المميزة والتي نشرت عبر المواقع الالكترونية المختلفة لحرب غزة فهذه المواقع تسابقت من أجل الحصول على هذه الصور التي التقطها عدسة المصورة الصحفية إيمان محمد وقد مضى عام ونحن الآن نشهد الذكرى الأولى للحرب على غزة ونقوم بالرجوع بالذاكرة إلى الوراء مع المصورة الصحفية إيمان لتروي لنا عن تلك الأيام وعن البقايا الراسخة في ذاكرتها من آثار الحرب الإسرائيلية على القطاع .
لمحات شخصية
المصورة الصحفية إيمان محمد خريجة إعلام وعلاقات عامة من الجامعة الإسلامية بغزة حاصلة على جائزتين دوليتين للتصوير الصحفي Carmignac Gestion award لتغطيتها لآثار الحرب العدوانية الصهيونية الأخيرة علىقطاع غزة وقد أعلنت منظمة Carmignac Gestion الأوروبية عن ترشحالمصورةالفلسطينية الأصغرسناً ضمن المرشحين بالإضافة إلى مصور فرنسي وألماني للتصفيات النهائية ضمن قائمةأفضل تغطية صحفية لقطاع غزة من أصل 72 مصور عالمي مما أثار إعجاب لجنة التحكيم وتم إقرار جائزة فخرية للمصورة تقديراً لإنسانية عملها وتفانيها في نقل مشاعر الصورةكما ورد في إعلان الفائزين ومن الجدير بالذكر إنإيمانمحمدحصلت على جائزة بريطانيةباسم new media award في بداية هذا العام لتغطيتها لأحداث الحرب الميدانية .
وقدأبدى Edward Carmignac المدير التنفيذي للمنظمة عن إعجابه بعملالمصورةالفلسطينية الشابةوما حققته في سن صغيرة مقارنة بزملائها المحليين والأجانب ووجوها في الوسط الإعلامي منذ أن كانت في الثامنة عشر من عمرها حيث تتمتع بالحس الإعلامي المميز فموهبتها وحبها للكاميرا دفعاها للخوض في دورات تصوير مختلفة وحولاها إلى مصورة صحفية محترفة ومتمكنة تعتبر الصورة الصحفية أبلغ في التعبير عن الحقيقة من التقارير والتحقيقات الصحفية حيث تقول: “كنت أستغلّ الإجازات في تطوير قدراتي في التصوير واقترابي من المصورين الصحافيين غير العرب لأكتسب خبراتهم”.
حلم الكاميرا
الحصول على كاميرا صحافية بمواصفات عالية ليس بالبسيط خاصة لفتاة في عمر إيمان فقد عملت لدى وكالة بالمجان من أجل أن تبقى بالقرب من الكاميرا ثم اجتهدت كثيرًا من أجل تحصيلها حيث تتحدث إيمان : “ساعدتني إجادتي للغة الانكليزية في العمل مع الوكالات وكتابة تقارير ومقالات من غزة كنت أدخر ثمنها لتحقيق حلمي في الحصول على كاميرا وتكون ملكي لا ينازعني فيها أحد وها قد تحقق الحلم” .
الكاميرا أصبحت جزءًا من اكسسواراتها لا تفارقها طيلة نهارها تسافر معها وتجول في الطرقات تعلّق قائلة: “الكاميرا يستحيل عليّ أن أتركها أينما أذهب لا تفارقني لأني أخاف أن يقع حدث ما فجأة فأوضاعنا في غزة متقلبة ولا استقرار فيها هذا يتطلب مني أن أكون على استعداد وجهوزية في أي وقت لذا احتفظ بها إلى جواري كقطعة من ملابسي مع أنها كبيرة وثقيلة الحجم.
تغطية حرب غزة
أما للحرب على غزة قصص وتفاصيل كثيرة كلها كانت مؤلمة وتضع إيمان أمام تحد كبير فتشير إلى أنها كانت تغطي الحرب على غزة بداية برفقة زملاء لها في الوكالة الأمريكية التي تعمل بها ثم أصبحت تنزل لوحدها وتضيف:” كثيرة هي المواقف الصعبة التي مررت بها كنت أحس أني بأمان أكثر لما أعمل وأرى بعيني لم أشعر بالخوف كثيرًا كنا نتحرك في أول أيام الحرب في جيب مصفح ولكننا في أواخر الحرب تركناه واضطررنا أن نمشي لأن التحرك بالسيارة أصبح أكثر خطورة على حياتنا”.
وتضيف أن المشاهد المؤلمة التي وجاهتها كانت تلك اللقطات الخاصة بالأطفال والرضع والدمار إلا أن إيمان توضح أنها كانت رغم كل شيء تصور الأحداث ولا شيء كان يوقف أعين كاميراتها وعن رصدها رغم أن قلبها كان ينزف من داخله وتشعر بالضيق وتضيف:” الحرب جعلتني أكثر قوة وإصرارًا على مواصلة مسيرتي التي بدأتها متحدية كل شيء وتزيد:” كنت أشعر بالحزن وأعيش لأيام لا أرغب في الحديث لأحد وأبكي أحيانًا.
مواقف كثيرة يصعب على الرجال تحملها أو التصرف فيها خاصة خلال الأزمات فما بالنا بفتاة لا تتعدى سنوات عمرها الثانية والعشرين !! فهنا توضح إيمان”: أتفهم أن للرجال مشاعر وهم في إنسانيتهم يساوون إنسانية المرأة لكن أصعب موقف مررت فيه وما زلت أمر به يومًا بعد يوم هو تصوير جثث الأطفال الصغار والرضع .
مواقف صعبة
أما عن أصعب مشاهد الحرب فتقول جثث الشهداء في ثلاجات المستشفيات وعلى الأرض خاصة إذا كانت قد التقت بهم قبلاستشهادهم بيوم!! وتؤكد إيمان :” رغم شدة الموقف إلا أن الدافع الانسانى والوطني اتجاه قضيتي العادلة يحتم علي التقاط الصور المناسبةفهناك مسؤولية تدفعني لذلك“.
وتضيف :”خلال عملي في الحرب شعرت بنقله نوعية بعملي وطريقةالتقاطي للصور” ورغم مرور العام على حرب غزة إلا أن الصور ما زالت ماثلة أمام عيون إيمانوتعتبره كابوساً مزعجاًوكانتإيمانالصحفيةالوحيدة في الميدانوتتحدث :” أيام عملي وأنا بالجامعة كنت أبحث عن صحفيات أخريات في الميدان ولم يكنهناك سوى أعداد قليلة مقارنة مع الشباب وأيام الحرب على غزة كنت أناالصحفيةالوحيدة بالميدانفلذلك كنت أخوض نقاشاً يومياً مع عائلتي قبل النزول للعمل وتغطية الأحداث“.
وتضيف :”أمي تعمل بالصحة وهي كانت بعملها منذ اليوم الأول للحربواستشهاد المئات من المواطنين فلم تعد هناك مشاعر الذاتية تسيطر على أحد فأصبح الهمالوحيد نقل المعاناة ومداواة الجرحى إلا أن أمي كانت قلقة علي وكنت على اتصال دائمبها ولم أكن أخبرها أنني في مكان يُقصف “.
تحدٍ واضح للاحتلال
المناظر البشعة والجرائم التي ترتكب بحق الأطفال والنساء أصبحت مشاهد عادية بالنسبة للصحفيين فثلاجات الموتى مليئة بالجثث دائما فتشير إيمان أنه في بداية عملها وقفت أمام ثلاجة الموتى تصور ضحايا مجزرة مؤلمة الملامح بحق أم وأربعة من أطفالها وقعت في منطقة بيت حانون شمال قطاع غزة واصفة المشهد بأنه لا يطاق فعجزت عن التقاط أي صورة ولكن حادثة اغتيال الصحافي فضل شناعة قد وضعها أمام تحد وطني وأخلاقي ولّد لديها الإصرار بأنه من المهم توثيق الحدث أكثر من التعاطف معه لأن اللقطة التي تمضي لا تعود وتضم حقائق ستطمس إن لم يتم اللحاق بها وتشير أنها طبقت ذلك في الحرب الأخيرة خلال تغطيتها للأحداث لوكالة بريطانية وأميركية تراسلها بغزة.
دعم المجتمع لها
هذه الحالة الخاصة تعدُّ في غزة غريبة لفتاة في عمر إيمان إلا أنها استطاعت أن تصنع من الأشواك ورود بدعم البسطاء من أفراد المجتمع الفلسطيني برغم انتقاد المثقفين لها وسخرية الزملاء والزميلات أحيانًا وتقول: “المجتمع الغزي ما زال رهن عادات وتقاليد وموروث ثقافي لا يجد المرأة في مهنة المتاعب بل في مهن تقليدية إلا أنها تستدرك قائلة: “لكن الناس البسطاء أسهل تقبلاً للفكرة وأقل انتقادًا من الآخرين بخاصة كوني فتاة لا تشكل عائقاً لديهم بالعكس أجد نوعًا أقل من القبول أكثر من الطبقة المثقفة أو أصحاب المناصب العليا خاصة في شؤون العمل الصحافي وغيره.
وتنتقد إيمان نظرة زملاء مهنة المتاعب من صحافيين ومصورين لعملها مشيرة أنه لا يوجد تقدير لأهمية وجود فتاة مصورة في وسطهم بل يعتبرونها مهنة متعبة ولا يشجع معظمهم دخول الفتيات لهذا المجال وتردف بالقول :” بالعكس كانوا هم من يصنعون المعوقات إلا ما رحم ربي منهم” بل أكثر ما يثير استغرابها بحسب قولها الانتقاد الذي تواجهه من الفتيات أنفسهن أحيانًا.
طموح واسع الأفق
وعن تشجيع إيمان لأخريات للانخراط في مجال التصوير الصحافي تقول :” لا اعتقد أن من لا تجد في نفسها القدرة على تحمل صعوبة المجال أن تقدم على هكذا خطوة فهي أبدًا غير يسيرة وبخاصة في منطقة نزاع مستمر كغزة بغض النظر عن نوع المجتمع أو رأيه”.
وترفض إيمان أن تمد يد العون لأي فتاة غير كفوءة على تقدير نفسها وتصميمها على تحقيق أحلامها بالرغم من كون وجود الفتاة في مجال يعج بالرجال يستحق المساعدة أو التعاطف معه وتقول :” تعلمت بأصعب الطرق وللوصول لطموحات فتاة مصورة لا وجود للطريق السهل كل الطرق صعبة .
وعن الطموحات الواسعة الأفق لإيمان فتقول :” طموحي العالمية كفتاة مسلمة وفلسطينية تمتهن التصوير وأعتقد أنه بالإمكان تحقيق هكذا طموح إن وجدت العزيمة والإصرار الكافيين مع الثبات على الطريق نفسه بلا تراجع .
وها أنا أتذكر أصعب وأحلك المواقف التي مررت بها فترة الحرب على غزة ومازالت المشاهد والصور المؤلمة ماثلة أمام عيني وفى ذاكرتي كأنها حدثت أمس .










