ثقافة وفنون

محطات في رحلة البحث عن ليلى و قيس 2


 

المحطة الثانية: نقل فؤادك…الحب الأول و الوفاء

من النظريات التي تُطرح في مفهوم الحب أن الحب الصادق يكون مرة واحدة في العمر و أن التجارب الأخرى تكون استنساخا ضعيفا في المشاعر و السلوك و قد ورثنا كعرب مبدأ أبي تمام في أن الحب الأصدق و الأبقى هو الحب الأول اذ قال:

نقل فؤادك ما استطعت من الهوى

                                ما الحب الا للحبيب الأول

كم منزل في الكون يألفه الفتى

                              و حنينه أبدا لأول منزل

و بقدر ما يثبت هذا البيت منزلة الحب الأول الا انه يفتح إمكانية تعدد تجارب الحب و تكرارها مما يفتح مجالا للتساؤل حول الوفاء و إذا كان الحب صادقا الأ يستلزم ذلك أن يكون المحب وفيا فيقصر قلبه و جوارحه و عمره كله على محبوبه؟ و إذا كانت الدراسات و الكتب تقول ان المرأة من كوكب الزهرة و الرجل من المريخ أي ان لكل منهما طريقته في الحب و الوفاء الرجل قلبه حديقة قد يزرع فيها أكثر من زهرة و المرأة قلبها سجن انفرادي إذا دخله رجل لم يخرج منه الا بموت أو كراهية فهل المرأة بناء على هذا التشبيه أكثر حبا و وفاء من الرجل؟؟؟

لقد اجتمع الحب و الوفاء في سيرة المصطفى صلى الله عليه و سلم ليعلمنا كيف يحب الرجال و كيف تقر أعين النساء و يرضين بحب الرجال فالشائع أن أحب زوجاته الى قلبه كانت السيدة عائشة رضي الله عنها و لكن من يقرأ بين السطور يدرك أن السيدة خديجة كانت حبه الأول دافع عن ذكراها و هي ميتة في وجه أعز النساء على قلبه عائشة عندما غارت من كثرة ذكر النبي عليه الصلاة و السلام لخديجة و ثناءه عليها فقالت : ” وهل كانت إلا عجوزاً في غابر الأزمان أبدلك الله خيراً منها فكان الوفاء النبوي الذي يعز نظيره و تدفقت الذكريات المحفورة في القلب و الوجدان فأجابها صلى الله عليه و سلم 🙁 والله ما أبدلني الله خيراً منها لقد آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس وكان لي منها الولد ثم قال:(ورُزقت حبها). كانت نسمات الحب الأول إذا هبت في صوت اختها هالة بنت خويلد زائرة في بيته هيجت عليه الأشواق و الأحزان فيقول مسترجعا الأصل في الصورة “اللهم خديجة” و يبقى يبر ودها في صديقاتها و يهدي لهن مما رزقه الله إكراما لذكراها

محمد صلى الله عليه و سلم…مثال الحب الأصدق و الأوفى و الأعدل بين صور الحب كلها و لكن هل يستطيع أحد أن يكون مثله؟؟؟

المحطة الثالثة: أشكال من الحب الأكبر و الأبقى

قيل من تجارب السابقين أن الحب إذا كان صادقا ظهر أثره الخيّر على كل ما يحيط به من أناس و أشياء فيخرج من إطار اثنين من البشر من دم و لحم و أجل محدود ليبقى فكرة سامية و عملا متقبلا و ذكرى لا تُنسى

هكذا كان حب قطز لزوجته حب الرمان اذ تروي كتب التاريخ انه كان لا يصبر على فراقها مما جعله يصطحبها حتى في الحروب و شاع أمر حبه لها حتى وصل اعداءه من المغول فعزموا على ايذاءه بها فلما كانت عين جالوت وصلوا خيمتها و ضربوها حتى خلصها الجنود من بين أيديهم فلما سمع قطز بالخبر طار اليها فوصلها و الدماء تنضح منها فصرخ معتنقا اياها: و احبيبتاه فردت عليه: لا تقل و احبيبتاه بل قل و إسلاماه

هذه المراة العاطفية و الزوجة المحبة أدركت أن المشاعر في تلك اللحظة كانت يجب أن تتوجه في إتجاه واحد و تلتحم بالغاية الكبرى و انها و قطز لم يكونا زوجين في تلك اللحظه بل جنديين يسعيان لنصر المسلمين و لكن تلك اللحظة التاريخية و الوقفة الخالدة لم تكن وليدة الموقف بل حصيلة محبة طويلة و تفاهم زوجي عميق ربّت فيه حب الرمان قطز على المحبة و رباها على التفاني فلما جاء الامتحان بذل كلاهما جهده فكان النصر بجداره.

و من المعاصر ما رواه الدكتور فايز أبو شماله في قصته الواقعيه بعنوان حبيبي و سجني عن الشابة عطاف المقدسية التي بقيت صامدة اثني و عشرين عاما تثبّت بحبها خطيبها الأسير محمود الصفدي في غياهب السجن و تزرع الأمل في نفسه أن النصر قادم و الفرح قادم و ان ظلام السجن لن يخيم و ان فجر الحرية سيتسامى كان حبها اتصال محمود بالحياة و بقايا الانسانية في قلبه كان سلاحه لمواجهة السجان كتبت له في رسالة: “حبيبي و عمري و حياتي و عيوني و أملي و قلبي إذا ضاقت عليك المعمورة و صانعتك الأشواك و الصعاب و الأحزان خذ قلبي أليك انيسا خذ فكري أليك صديقا و خذ يدي أقلع بهما الأشواك أما إذا شعرت بالوحدة و الفراق فاعلم أن وجودي المرهف و قلبي الحائر يجتاح الجو ليعيش ساعات حنان في خيالي يتمنى أن تتحقق و لو بعد حين أما المعنويات ففولاذ”

بقيت عطاف مخطوبة و بقي محمود مسجونا فهل مات الحب المستحيل بعد اثني و عشرين سنة؟ و هل كان السجن أقوى من الحب؟ و الواقع أقوى من المثال؟؟