وقمعتهم بوسائل مكافحة الشغب في شوارع القاهرة والعريش وجدناها وما فوجئنا بها تواجه بالرصاص جموع المحاصرين في غزة الذين أرادوا الاحتجاج على بناء جدار العار الفولاذي وأوقعت بينهم 35 إصابة بينها خمس إصابات في حال الخطر.
وهنا على النظام المصري إلا يتوقع احتفال الإعلام والمتابعين بالإصابات في صفوفه لأن تفاصيل وخلاصة المشهد على الحدود ما بين غزة ومصر لا تتسع أبداً لإبراز حجة الأمن القومي والسيادة المصرية؛ تلك الشعارات التي غدت مثاراً للتندر والاستخفاف وبالتالي فإن غزة المحاصرة المقهورة التي سجل تاريخها أنها لم تسع للمساس بمصر حتى وهي تنازع رمق الحياة الأخير ستبدو اليوم محقة حين يفيض بها القهر وستغدو أية خطوة احتجاجية لبنيها متفهمة ومستوعبة بعد أن بلغ الظلم الواقع عليها من الجانب المصري مداه وتهاوت في المقابل كل الدعاوي والمبررات الواهية التي يروجها الإعلام المصري الرسمي.
ويبدو أن النظام المصري في غمرة نشوته بإحكام قبضته على غزة وابتهاجه بما يحصده في المقابل من رضا وثناء صهيوني وأمريكي قد تغافل عن كون القضية الغزية تحديدا قد أصبحت محل إجماع لدى العالم بأسره ولم يعد هناك طرفان يختلفان حول كون الحصار جريمة واعتبار مصر طرفاً أساسياً فيه فمصر في خطوتها الأخيرة أمعنت في عزل نفسها في زاوية حرجة لا يجالسها فيها سوى أمريكا وإسرائيل وسلطة رام الله وهذه الأطراف هي الوحيدة التي تشارك مصر المصلحة في قهر غزة ومحاولة تركيع حماس!
فليس ثمة ثغرة في هذا الجدار يمكن أن تتسل منها مبررات فرض الحصار إلى الرأي العام أو تؤثر فيه لأن قضية الحصار تحديداً تداعياتها إنسانية بالدرجة الأولى رغم محاولات النظام المصري والدائرين في فلكه تسييسها وتعليقها على مشجب الانقسام الفلسطيني وحكم حماس في غزة وهذا كله يصب في صالح حماس ويقوي موقفها من حيث لا يدري هذا النظام بل ويزيد من القيمة المعنوية لغزة أرضاً ونظاماً حاكماً فيها كقِبلة للصمود وأنموذج للتحدي خاصة وهي تحيي ذكرى الحرب الصهيونية الأولى عليها ومن جهة أخرى فإن هذا الاستقواء المصري المبالغ فيه على غزة وأهلها بحجة الأمن والسيادة يفضحه الإذعان المطلق أمام التهديدات الصهيونية وهو ما يكشف لأي متابع منصف أن تنفيذ الإملاءات الأمريكية والخضوع للإرادة الصهيونية مقدم بالنسبة للنظام المصري على أية قضية أخرى وطنية كانت أو قومية.
وأحداث رفح التي جاءت بالتزامن مع وصول قافلة شريان الحياة التي تابع العالم كله حجم الإعاقات التي واجهتها لتؤكد أن تفاعلات بناء الجدار الفولاذي لن تكون حدثاً عابراً سيأخذ بالخفوت بعد أن يتبلور الجدار واقعاً تحت الأرض فتداعياته فوقها ستكون متجاوزة سقف حسابات كل الأطراف التي ابتدعت فكرة الجدار وأخرجته لحيز الوجود.
فاشتداد الحصار وسد كل المنافذ على غزة لن يعني فقط اشتداد حركة التضامن العالمية (وليس العربية للأسف) مع غزة بل سيعني كذلك أن غزة التي أبت أن تسلم رقبتها للجزار الصهيوني ستأبى كذلك أن تموت جوعاً وخنقاً فالحرب الأخيرة على غزة دفعت بظهرها في لحظاتها الأشد حلكة إلى الجدار وجعلها تقاتل باستماتة وبسالة بعد أن كانت مخيرة ما بين الموت والموت فاختارت أن تموت كريمة على أن تموت ذليلة فإذا بخيارها يفرز انتصارا واندحاراً للعدوان..
والآن ليس لأعداء غزة وخصومها أن يتوقعوا تعايشها مع الجوع والخنق البطيء ولا إذعانها لإرادة محاصريها فالغضب الغزي لا يفتأ يترجم نفسه بأشكال تذهل أعداءه وإن كان الهالك (رابين) قد وقف أمامها حائراً عاجزاً وهي لا تملك سوى الحجارة وما وجد سوى تمني أن يغرقها البحر فما بالك بحال من يحاصرون غزة الآن الذين هم أوهن من كيان رابين قوة بينما غزة اليوم أشد وبأساً ومنعة منها في تلك الأيام؟!









