مقالات

الانتخابات الجامعية في الضفة.. ظروف فاسدة وإخراج ممسوخ!


حسناً فعلت الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت (الجامعة الفلسطينية الأهم في الضفة) بإعلان مقاطعتها لانتخابات مجلس الطلبة ومثلها جامعتا الخليل وبولتكنك فلسطين ويكفي أن يطالع المرء بيانات المقاطعة الصادرة عن كتل الجامعات الثلاث ليقف على سوداوية المشهد الجامعي اليوم في الضفة وليعي مدى صوابية قرار الكتلة الإسلامية بمقاطعة انتخابات على طراز حديث من (الديمقراطية) يقتضيه عهد دايتون في الضفة وبسطاره الثقيل!

لم يحدث أن مرت الجامعات الفلسطينية بعهد عصيب وفاسد ومثقل بشتى ضروب السلبية كما هو حالها اليوم ولم يسبق أن كانت الجامعات مسرحاً لكل أشكال القمع والإقصاء والإرهاب كما هي اليوم فحتى حين كانت الهيمنة الأمنية على الضفة من نصيب الاحتلال وحده ظلت الجامعات تمارس دورها الطليعي في التعبئة الوطنية والسياسية الخلاقة بل كانت في كثير من الأحيان المحرك للفعل في الشارع وصانعة الأحداث ومنجبة القادة العظام الذين كانت لهم بصماتهم العميقة في تاريخ القضية والمقاومة أما اليوم فجامعاتنا غدت منابر للحرب على الحريات وفرض منطق الصمت والخوف والسلبية ومواقع إضافية للأجهزة الأمنية بحيث لا يمكن أن يسجل حدث معارض في الحرم الجامعي إلا ويجد عشرات الأعين من بين الطلبة وأحياناً الكادر الأكاديمي في الجامعة ترفع فيه تقاريرها لأجهزتها الأمنية بل أصبح الوضع في جامعاتنا متطوراً لدرجة بات فيها معظم عناصر الشبيبة الفتحاوية أعضاء في الأجهزة الأمنية ويمارسون بأنفسهم أعمال اعتقال زملائهم في الجامعة من طلبة الكتلة الإسلامية واستجوابهم والتحقيق معهم ولم تبالغ الكتلة الإسلامية حين وصفت في بيانها كتلة الشبيبة بأنها (كتلة الأجهزة الأمنية)!

حركة الشبيبة ومن خلفها الأجهزة الأمنية معينة جداً بأن تثير الخوف والهوس الأمني بين صفوف طلبة الجامعات فهذا من جهة يريحها من نشاط المعارضين لسياساتها وخصوصا الكتلة الإسلامية وهي التي كانت ولا زال الوجه الطلابي الأكثر إشراقاً وإبداعاً وتميزاً في تمثيله لطلبة الجامعات وظفره باحترامهم لكن الشبيبة وأجهزتها في المقابل لا يروقها أن تقاطع الكتلة الإسلامية أي انتخابات جامعية في الضفة ليس من باب الحرص على مشاركة الخصوم السياسيين في العملية الانتخابية بطبيعة الحال بل لأن المقاطعة تنعكس سلباً على حركة الشبيبة داخل الجامعة وتحرم الأجهزة الأمنية من فرصة اكتشاف العناصر الفاعلة في الكتلة لتقوم بمكافأتها على مشاركاتها في (العملية الديمقراطية) اعتقالاً وشبحاً وتعذيباً بعد انقضاء موسم الانتخابات وما زالت تجربة الكتلة الإسلامية في بيرزيت حاضرة في أذهاننا يوم قررت العام الماضي المشاركة في انتخابات مجلس الطلبة وتحدت كل إجراءات البطش والترهيب فأبلت بلاء حسناً خلال الدعاية الانتخابية ثم عبر النتائج التي كانت صادمة لفتح في ظل واقع الضفة عموما وانعدام فرص التنافس الحر والمتكافئ داخل الجامعات خصوصاً فكان أن اعتقل كل قادة الكتلة بعد الانتخابات وعذب بعضهم تعذيبا شديدا في مقار الأجهزة الأمنية حتى وصل بعضهم لحافة الهلاك!

ومن جهة أخرى فإن مقاطعة الكتلة الإسلامية للانتخابات ستفسح المجال أمام بروز الخلافات الفتحاوية الداخلية وما أكثرها في الجامعات حيث المحاور المناطقية وتعدد الرؤوس التي تطمح في الهيمنة والاستفراد بالسيطرة وخلافات كهذه يذيبها فقط وجود خصم قوي من طراز الكتلة الإسلامية تعتبر (هزيمته) وفق المنطق الفتحاوي أولوية وطنية كبرى تستحق أن تحيّد لأجلها كل الخلافات أو على الأقل ترحّل لما بعد انقضاء موسم الانتخابات.

إن مقاطعة انتخابات مفصلة على مقاس واطئ وتجري في أجواء فاسدة بالكامل ولا يراد منها سوى إكساب فتح وشبيبتها نصراً موهوماً وتفوقاً متخيلاً على عدوها اللدود حماس هو الخيار الأمثل الذي ينبغي أن يسود ليس فقط في الجامعات بل في جميع المؤسسات النقابية وفي الانتخابات البلدية المقرر إجراؤها في تموز القادم فلا يصح أن يساهم أي فصيل يحترم نفسه في منح شرعية غير مستحقة لجهة ليست أهلاً لها وبإخراجها هي وإجرائها تحت سيف إرهابها وقمعها وابتزازها!

وكان مأمولاً من فصائل اليسار أن تعي هذه الحقيقة وتنأى بنفسها عن المهازل الانتخابية التي تجري اليوم في ساحة الضفة ليس تضامناً مع حماس بل انتصاراً لمبادئها التي تعلي من شأن حقوق الإنسان وقيم القانون والديمقراطية والنزاهة والتنافس الشريف وهي الأمور التي تفتقد إليها الضفة بالكامل غير أن اليسار بكل مجاميعه ومسمياته لم يعد يفاجئنا أبدا لأنه كذلك بارع في تطويع مبادئه وتحوير شعاراته لتخدم مصالحه الحزبية وحسب.

ومن هنا.. فإن انتخابات الجامعات في الضفة بظروفها وآلياتها لا تعري فقط وجه الأجهزة الأمنية وشبيبتها التي تبطش بطلبة الكتلة الإسلامية أيما بطش ثم تتهمهم بالخوف من المنافسة وانكشاف حجمهم إذا ما قاطعوا الانتخابات بل إنها تقدم أدلة إضافية على مأزق فريق الشعارات والمبادئ التي لا مكان لها سوى على الورق وفي حناجر المنظرين ومزايداتهم!