مقالات

رابعة.. المعلّمة الملهمة!


كم يبدو الكلام (أي كلام) صعباً في حضرة الدماء الممزوجة بروح البطولة الفذة حتى لو كان توصيفاً لفرادة تلك البطولة وحدود سموّها غير المرئية وتجاوزها كلّ الحسابات البشرية القاصرة التي تقرّر أن الترهيب والقتل يمكن أن يكونا رادعاً لحملة القضايا العادلة والمنافحين عنها.

لكنّني ما كنت أتصوّر أن أرى مشهداً مفعماً بالجلال والثبات حين عاد الاحتشاد في رابعة بعد آلاف الضحايا يوم أمس فحتى النساء لم تغادر أماكنها وحتى الأطفال والشيوخ والرجال المكلومين وقادة ركب الثورة بدوا كمن بُعثوا من جديد بعد انهار الدماء التي سالت وتلك الحرائق التي اشتعلت في خيام المعتصمين.

ألم تُعرف رابعة العدوية (بشهيدة العشق الإلهي)؟ حيث علا حبّ الله في نفسها درجةً ما عاد ممكناً أن تتّسع لسواه. وكذا حال من رفعوا شعار (الله غايتنا) و(الموت في سبيل أسمى أمانينا) فمن كان الله غايته هان في اعتباره أي حساب دنيوي لحياة أو لمصلحة وزال من قلبه لسع الخوف عند احتدام المواجهة.

لقد استبق ثوار رابعة العدوية والنهضة مجزرة أمس بأن درّبوا أنفسهم على الصمود في وجه رصاص الموت ولم ترعبهم تهديدات حكومة الانقلاب وهي تتوعدهم وتقرر أن موعد فضّ اعتصاماتهم قد اقترب. فكان هتافهم في الميادين: (هي تكّة وبس.. رصاصة ومش هتحس)! فأي استهانة بالموت تلك التي عاشت بين ظهراني هؤلاء الثوار وهم يعلمون أن الهجوم عليهم متحقّق لا محالة؟ ومع ذلك فلم يغادر أحد منهم موقعه وكان لسان حالهم كما قال يوماً شهيد الظلال سيّد قطب يوم تيقّن من نهاية حياته في الدنيا: “لم أعد أفزع من الموت حتى لو جاء اللحظة؛ لقد عملت بقدر ما كنت مستطيعاً أن أعمل! هناك أشياء كثيرة أود أن أعملها لو مُدَّ لي في الحياة ولكن الحسرة لن تأكل قلبي إذا لم أستطع؛ إن آخرين سوف يقومون بها إنها لن تموت إذا كانت صالحة للبقاء فأنا مطمئن إلى أن العناية التي تلحظ هذا الوجود لن تدع فكرة صالحة تموت&hellip”!

لكنّ ثوار رابعة والنهضة لم يكونوا فرداً واحداً في مواجهة الطغاة إنّما كانوا مدّاً بشرياً فذّا لا يأتيه الوهن من بين يديه ولا من خلفه وإلا فأي اعتصام هذا الذي يستمر تحت الرصاص والقذائف؟ في رابعة أولاً ثم في ميدان مصطفى محمود حيث انتقل ثوار النهضة؟ أي خطباء أولئك الذين يستمرون في بث عبارات التثبيت من على منصة رابعة والرصاص يتبعثر من حولهم والشهداء يسقطون؟! أي فكرة نبيلة تلك التي أثمرت أمثال الدكتور محمد البلتاجي الذي فقد ابنته شهيدة في رابعة لكنه ما فقد بوصلة يقينه ولا رباطة جأشه ولا إصراره على المواصلة؟!

إنها المدرسة العملية للجهاد والتضحية يحتاجها من ظلّ يجهل حجم ما قدّمه الإسلاميون من تضحيات في مسيرة مواجهتهم الطواغيت لأن دمهم المسفوك في أروقة الزنازين لم يكن مرئيا وكذا أعناقهم وهي ترفع على أعواد المشانق لكنّهم اليوم يرتّلون مبادئ الثورة أمام الأمة كلّها من ميادينهم النازفة وعبر صمودهم الأسطوري ومع تلك المعاني الجليلة التي تسطّرها تجاربهم فيعلّقها التاريخ نياشين مضيئة في رأس صفحاته وفصوله!

لم تكتفِ الدماء بكلمتها حول إجرام الانقلابيين وخبث طويّتهم وتجرّدهم من الإنسانية إنما تحدثت مطوّلاً كذلك عن الجباه الساجدة لله والقبضات المشرعة في وجه الطواغيت والأقدام الثابتة على (جبل أحد) وهي تستشرف أياماً قادمة حافلة بالبشرى والتمكين حتى لو كان الواقع الآنيّ داميا.