مقالات

صفقة الأسرى.. حذار من مفاجآت اللحظات الأخيرة


كان متوقعاً جداً أن تعمل إسرائيل بالتزامن مع مفاوضات صفقة تبادل الأسرى المنتظرة على مسار مغاير وموازٍ لتخليص جنديها الأسير بالقوة ما استطاعت إلى ذلك سبيلا وحتى لو كان الثمن باهظا وحتى لو تأكد بعد ذلك للرأي العام المحلي والعالمي أنها نكثت بوعودها وغدرت بالجهات الوسيطة.

وما الإعلان الأخير للأمن الداخلي في غزة عن اكتشاف مجموعة عملاء كانت تخطط لاختطاف أحد قادة القسام في جنوب القطاع ثم تحويله للجانب الصهيوني للتحقيق حول الجندي الصهيوني الأسير لدى حماس في غزة إلا مؤشر على نوايا وطبيعة هذا الكيان الذي يقدم الخيارات العسكرية في التعامل مع أعدائه على أي خيار آخر ولذلك فهو لن يدخر جهداً في محاولات تخليص شاليط حتى لو كان في المقابل يدير مفاوضات حول صفقة التبادل وحتى لو بلغت تلك المفاوضات لحظاتها الأخيرة.

ولأن المتضررين من إنجاز الصفقة كثر؛ ما بين الكيان الصهيوني والنظام المصري وسلطة رام الله كون إنجاز الصفقة سيعزز شعبية حماس وسيشكل رافعة لمشروعها وخيارها المقاوم فلن يكون مستغرباً أن تتضافر جهود جهات شتى لعرقلة الصفقة ولمساعدة الكيان في تحرير أسيره بالقوة وفي هذا السياق كانت العناصر الأمنية الفتحاوية السابقة في غزة على استعداد للضلوع في هكذا مخطط كما كشف جهاز الأمن العام في غزة!

وإلا فكيف ستتعزز مقولة أن أسر الجنود تجارة خاسرة وأن عملية الوهم المتبدد كلفت الفلسطينيين الكثير من الخسائر كما ظلت رموز فتح ومعها أبواق النظام الرسمي العربي تردد منذ العملية وحتى الآن؟!
وكيف سيجد خصوم حماس سبيلا للمزاودة عليها إن هي ظلت مصرة على مطالبها إلى حين إخراج الصفقة للنور وتحرير الأسرى؟!
بل كيف سيغدو ممكناً – لو أنجزت الصفقة – التمحك السخيف بالمقاومة واتهام حماس بالتخلي عنها في الوقت الذي تجني فيه الحركة لشعبها ثماراً غير مسبوقة حين تحرر أسراها بسواعد مقاوميها؟!

خصوصية هذه الصفقة تختلف عن أية صفقة سابقة دون شك فهي أولاً تتعلق بعملية أسر حدثت على الأرض الفلسطينية وليس خارجها والطرف المقابل فيها ثانياً هو حماس المحاصرة في غزة وحاملة مشروع المقاومة والحاكمة فيها وهي ثالثاً ستعني إرغام حكومة الكيان على الإذعان لاشتراطات عدوها التاريخي في فلسطين والإقرار به كند مقابل يملك أن يقول كلمته ويملي شروطه ويحقق إنجازات لمشروعه حتى وهو محتل ومحاصر وتحت سيف الفاقة والجوع.

ولأجل هذا كله فالأمر يتطلب حذراً مضاعفاً من قبل الجهة التي تدير مفاوضات الصفقة في حماس فلا تجوز المراهنة إلا على ما هو ملموس مهما قدمت حكومة الكيان عبر الأطراف الوسيطة من وعود وتعهدات كما لا يجوز القياس على صفقات أخرى تمت مع الحكومة الصهيونية كصفقات حزب الله ليس فقط لاختلاف ظروف الجغرافيا والأبعاد السياسية بل كذلك لأن الحديث هنا عن تحرير الأسرى الذين قام على أكتافهم مشروع المقاومة في فلسطين وخصوصاً خلال الانتفاضتين وهو ما شكل تحولاً مفصلياً في مسار القضية الفلسطينية المعاصرة الأمر الذي سيجعل الاحتلال يعيش هاجساً مؤرقاً حين يتصور أبعاد خروج هذه النوعية من الأسرى وبهذا الكم وهو الذي عاين صنيع بعض من أفرج عنهم في عملية التبادل مع القيادة العامة وعلى رأسهم الشيخ الإمام أحمد ياسين رحمه الله.

هذا الحصاد الكبير الذي ينتظره كل المخلصون يستحق أن ترفع لحماس لأجله درجة التأهب الميداني والحذر السياسي حتى لو وصلت المفاوضات إلى مرحلتها الأخيرة ولم يبق إلا الإجراءات التنفيذية ولتأخذ حماس العبرة من حرب غزة ومن الطعنات الغادرة التي وجهت لها في حينه من ذوي القربى الذين لم تجد منهم سوى الخداع والتواطؤ والخذلان.

صحيح أن تمكن حماس من الاحتفاظ بشاليط كل هذه المدة وعدم تمكن الاحتلال من تخليصه خلال حرب غزة المدمرة هو مؤشر على مدى براعة حماس وجاهزيتها لكل الاحتمالات إلا أن أي تهاون الآن من أي نوع قد تدفع الحركة ثمناً باهظاً له عدا عن تبعاته النفسية السيئة على مشاعر الأسرى وذويهم الذين يرقبون لحظة الخلاص بفارغ الصبر.
وختاماً.. تحية مستحقة لجهاز الأمن الداخلي في غزة الذي خلص غزة من شوائب العمالة كما خلصها من قبل من شوائب الانفلات والفوضى وجعل أرضها طاهرة نقية ولا تفتأ تلفظ الخبث والشر والغثاء.