في الذكرى الثانية عشرة لاندلاع انتفاضة الأقصى لا زال كثيرون يتساءلون عن سرّ حالة السكون التي طغت على المشهد الفلسطيني وعن قبول الفلسطينيين بما يمليه الواقع بينما الأجواء من حولهم تضج بالحركة والثورة والنزوع للتغيير.
من ناحية إنسانية لا يجوز إنكار أن الجموع يصيبها التعب واليأس والشعور باللاجدوى حين تكرر انتفاضاتها ولا تحصل على حرية خالصة فليست هناك قوة بشرية تتيح لأي إنسان أن يعيش نضالاً متواصلاً بلا انقطاع أو محطّات ركود.
ومن ناحية تاريخية فإن تكرار الثورات في الحالة الفلسطينية ظلّ مسألة وقت لا أكثر هكذا قالت التجارب التاريخية المتعاقبة منذ مطلع القرن التاسع عشر لكن الثورة كما يبدو لا يكفي أن تتوفر أسباب اندلاعها لكي تتفجر وإلا لما انتظرت الشعوب العربية عقوداً قبل أن تثور رغم أن حالها مع مكابدة الظلم والاستبداد بقي على الوتيرة ذاتها منذ نشأة تلك النظم.
لكلّ ثورة صاعق تفجير قد يعجز جميع المفكرين السياسيين والإستراتيجيين عن التنبؤ بمكمنه أو بتوقيته لأن التحليل المجرد للسلوك الإنساني حتى الثوري يسقط العامل الغيبي الذي يحمل وحده السرّ وهو ما أسميه عادة بالعامل الإلهي.
وقياساً على ذلك فإن الروح النضالية بما تعنيه من استعداد دائم للنضال لا يمكن أن تظلّ على الوتيرة ذاتها خصوصاً مع احتلال دام عشرات السنين لكن الذي لا شكّ فيه أن أي جيل جديد لم يسبق أن عارك الثورات السابقة أو مسّه غبارها يكتنز روحاً نضالية نضرة قد لا تلمسها الأجيال القديمة التي هزل فيها روح الإقدام ونَفَس المواجهة. والجيل الجديد لا يتوقف في الغالب عند الحسابات السياسية ولا ينظر في الجانب السلبي لسابق الانتفاضات لأنه يفترض أن لديه شيئاً مختلفا وذلك لأن طاقته الكفاحية لم تتفرغ بعد ولم تستنزف في مكابدة تبعات الانخراط في مشروع المقاومة من أشكال مختلفة للأذى.
بمفهوم آخر فإن الدماء الجديدة تبدو لازمة لأية ثورة لأنها وقودها غير المستهلك أو المستنزف ولكنها لا تبذل نفسها بناء على رغبات من يرون أن أوانها قد حان لأن اجتماع العوامل الدافعة لها للانطلاق ليست في متناول أي توقّع مهما كان صاحبه محترفاً في رصد الظواهر الاجتماعية والإنسانية أو قابلاً للتنبؤ باتجاهات حراكها.
ولذلك لا يبدو التساؤل العبثي الدائم عن أسباب الانكفاء والتراجع ذا وجاهة منطقية دائما خصوصاً حين يصدر عمّن لم يكن في أي يوم مشاركاً في حالة نضالية ولا يتجاوز دوره التفكير أو الكتابة. غير أننا في الحالة الفلسطينية سنظلّ أسرى أفكار نمطية مكرورة تحولت مع الزمن إلى مسلّمات تجد من يرددها دون تفكير حين يقيّم التجارب النضالية الفلسطينية المختلفة.
نحن ببساطة لا ننظر إلى أي جزء ممتلئ من كأس تلك التجارب ولا نحاول التعامل بإنصاف وجرأة مع أسباب وآثار حجم الجزء الفارغ ونكتفي دائماً بإطلاق عموميات مملّة لتوصيف حالة التراجع أو الجمود وكأننا لم نمتلك بعد الشجاعة الكافية لطرح تساؤل يبدأ بكلمة (لماذا) ثم الإجابة عليه دون إقحام العاطفية الطفولية التي تحتل مساحة لا بأس بها من وعينا الفردي والجمعي!









