مقالات

في حضرة امرأة من ضياء


جائت اليوم أخيراً أم عاصف إلى السجن بعد ثمانية عشر يوماً من الاعتقال جاءت ومعها طيف من الجمال والإباء والحنين الحنين لأنفاس الشهداء للبطولة الشحيحة التي زرعت سارية العزة في جبين الضفة للنفس الهازئ بالجبروت للهامات الشماء لومضة الإصرار في عيون أهل العزائم.
أخذَنا كلامها إلى عالم آخر نشتاق إليه سردت قصتها وعائلتها مع المحن المتواصلة أدركنا معنى أن هناك أناساً منتجبين للشدائد لا وقت لديهم للتراجع يفر التعب من أمامهم ينهار بين أيديهم الوهن تطوّقهم أطياف الكبرياء تجثو أمام عنفوانهم خيول الفداء يحاول المجد أن يسابق خطواتهم فلا يستطيع..
مثل هذه العائلة سكنت ديارها الجياد منذ أمدٍ طويل رضع بنوها الشهامة تسابقوا للعلياء ظلوا شامة على جبين البلاد احتار القلم في وصفهم..
في حضرة هذه المرأة يحضر كل شيء نبيل ينعتق المرء من جبنه وهلعه وتطلّعه للدنايا يغيب عن ذهنه السًّفه يتعلم أصول النظر للنجوم يسكنه الاطمئنان والتسليم يفقه معنى التحليق ويحترف تضميد الجراح ويدنو من غاياته متسلحا بإيمانه ظافرا بما يريد مدركا معنى أن يردد شعارا ويطبقه حرفيا.
لم أبصر دمعة في عيون أم عاصف إنما رأيت بريقا ممتدا ..هالة من ضياء..باقة من قرنفل وأشواقا للسموّ بلا حد وكأن جفناها يخفقان في خشوع جميل كلما ذكرَت اسم صالح وكأنما كانت تجاهد دمعها تحبسه بابتسامتها الجليلة أما حين تذكر عاصم فتحلق في فضاء عينيها الأمنيات ويشع من قلبها صوت طامح بالثقة واليقين والافتخار .. في حضرة أم عاصف تعلمنا أن مستوى تقبل الابتلاء سيظل مختلفا من شخص لآخر وسيظل هنالك فرق بين من يتجرعه من أول حياته إلى آخرها وبين من يدهمه الجرح فجأة ودونما استعداد وبلا استئذان..أم عاصف لا تتذمر ولا تشكو تتحدث عن الجانب المشرق في تجربتها وحسب تترنم بصبرها وثبات عائلتها وبفخرها ببنيها الرجال الرجال إنها إمرأة تليق بهم وهم يليقون بأن يكونوا أولادها وإن فلسطين التي رفعت رأسها بفعل بنيها ينبغي أن ترفع رأسها مراراً بمنجبتهم ومرضعتهم كلّ هذا المضاء في العزيمة وهذا الإباء البهي.