مقالات

ليتها أفشلته


خلال دراستي الجامعية أذكر أنه دار نقاش مطوّل حول اتفاق أوسلو ومساوئه في إحدى المحاضرات فما كان من أستاذ المساق إلا أن أسكت الطلبة قائلا: (يكفي أن أهم فائدة لأوسلو هي جلوسكم الآن على مقاعد الجامعات)!

هذا الاحتفاء الساذج بالهوامش وتقديمها كثمار ناضجة للاتفاق وإغفال المتن الحافل بالكوارث الوطنية لم يكن فقط لسان حال نفر من الفلسطينيين بعد سنوات وجيزة على توقيع أوسلو إنما ظلّ يُهيمن على العقلية التبريرية ذاتها التي لم ترَ في أفق أوسلو معاول التخريب بل روّجت لثقافة (النصف المليء) من الكأس وهو اليوم يتمثّل في تلك الدولة الأضحوكة التي يصفق بعضنا لإنجازها فيما لا يزال الاحتلال يسيطر على كل متر من الأرض ويفرض ما شاء من سياسيات الأمر الواقع!

خلال سنواته العشرين قيل كل ما يمكن أن يقال حول اتفاق أوسلو ومخاطره لم تفعل كل الهجائيات شيئاً وكذا التحذيرات منه مثلما أنها لم تجبر قيادة السلطة على تغيير مواقفها أو تبديلها أو حتى الإخلال ببعض التزاماتها.. وبقي الاتفاق كشيك مفتوح يصب في رصيد الاحتلال كلّ وقت وما زال أفضل استثمار سياسي له بينما كان من يومه الأول وحتى الآن خسارة محققة في جبين القضية الفلسطينية!

عندما نفّذت كتائب القسام سلسلة عمليات الانتقام للشهيد يحيى عياش كانت حجة السلطة في قمع مخططيها ومنفذيها هي الخشية من تسبّب تلك العمليات بإفشال الاتفاق وبعد ذلك ظل خطاب السلطة التحريضي على المقاومة ينطلق من التخوّف من تأثيرها على نهج التسوية والذي يبدو أنه في كل وقت يحتاج إلى أخذ فرصته ولكن ليس للنجاح بطبيعة الحال إنما لمراكمة الهزائم في سجل السلطة أولاً ثم لمضاعفة السلبيات في جعبة الفلسطينيين!

والملاحظ أن حركة فتح والسلطة لا تجدان ضيراً ولا تستشعران خجلاً وهما تصرّحان أن المقاومة التي تقف حجر عثرة في سبيل التسويات ينبغي أن تُزال بالقوة. رغم أن تجربة أوسلو بعد كل تلك السنوات تقول: يا ليت عمليات المقاومة ضد الاحتلال قضت على الاتفاق في مهده وأفشلت مراحله اللاحقة ويا ليتها امتلكت في ذلك الوقت قدرات أكبر لتعرقل انتشار خلاياه السرطانية فتعاجلها بالبارود قبل استفحال خطرها وقبل تمددها لتغزو جسد فلسطين ووعي أهلها.. ولو أنها فعلت لما وصلنا لحال صعُب فيه الخروج من عنق الزجاجة وغدا الجمود سيّد الموقف إذ لا حلّ السلطة يبدو فكرة قابلة للتطبيق ولا الإبقاء عليها يخدم مشروع التحرير أو يسهم في انطلاق قطاره من جديد!

من جهة أخرى فإن كانت المقاومة لم تفلح في إفشال ذلك الاتفاق الكارثي فإن الاتفاق بدوره لم ينجح في القضاء على فكرة المقاومة ولا على تجدّدها عبر محطّات عدة خلال السنوات الماضية رغم أنه شكّل أكبر تحدٍّ لها بعد استهداف الاحتلال لكنّها اليوم تبدو ضرورة وطنية ملحّة أكثر من أي شيء آخر وتحديداً في الضفة الغربية حيث تنعقد جولات التفاوض والتآمر ويتم بحث مخططات التصفية الجديدة وحيث استفحال الاستيطان للأرض والوعي والمعنويات!