مقالات

من جمرٍ إلى جمرٍ مع منير شفيق


ما كنت أتمنى أن تنتهي صفحاته ولا أن تتوقف مذكراتهولا أن أصل إلى خاتمته بل تمنيت أن تطول فصوله وتتعدد مشاهده وتتنوع روايتهوتتوسع شهادته وتتضح رؤيته وأن أستمر في قراءته فلا ينتهي ولهذا عدت إلى بعضأبوابه أطرقها من جديد وتوقفت عند العديد من عناوينه أغترف منها المزيد وأقرأهابشغفٍ سعيدٍ وإن كنت أقفز عليها كالعارف بها والكاتب لها إذ حفرت في ذاكرتيأحداثها فحفظتها وكأني عشتها وما نسيتها لكن ما إن وصلت إلى الخاتمة وطويتالكتاب حتى غمرني حزنٌ كبيرٌ مشوبٌ بكثيرٍ من السعادة والفرح فقد عشت والأستاذ منيرشفيق أكثر من ثمانين عاماً من عمر الوطن وحياة فلسطين.

من حي القطمون الراقي أمسك بيدي وإلى القدس التاريخيةأخذني وفي المدينة المقدسة وأحيائها الراقية جُلتُ معه فتعرفت على القدس قبلاحتلالها وعلى أهلها وسكانها قبل اغتصابها وغصت نفسي لجمالها وتحشرجت روحيلضياعها ومعه انتقلت إلى حيفا ويافا ومع أبيه عرفت مدن فلسطين التي كان بحكممهنته يجوبها وسعدت بالتعرف معه على رجالات فلسطين الكبار وأبطالها الشجعانالذين أخلصوا الدفاع عن فلسطين وضحوا في سبيلها وكانوا صادقين في مواقفهموجادين في مقاومتهم وكان من الممكن أن يبقوا فيها ويحافظوا عليها لولا موازينالقوى المختلة وبريطانيا المحتلة وسياساتها المنحازة.

تعمدت أن أقرأَ كتابه على مُكثٍ وأن أقلب صفحاته يومياًعلى مَهلٍ وقد خصصت له ساعاتٍ معينة أردتها أن تكون له فلا ينازعني عليه غيرهولا يشغلني عن قراءته سواه إذ كان سرده شيقاً وعرضه مثيراً وتفاصيله دقيقةينقلني بخفةٍ إلى عالمه ويأخذني حقيقةً إلى حيث كان زمانه فأعيش معه تفاصيلحياته ودقائق يومياته فخضت وإياه المظاهرات ووزعت معه البيانات ودخلت معهالسجن مراتٍ وتحديت معه المحققين والقضاة وشعرت بعزة المقاوم وجرأة الصادق وقوةالإخلاص والتجرد وخضت وإياه الحوارات والمناظرات وقرأت معه كتب الفلاسفة ونظرياتالاشتراكيين وأفكار الشيوعيين وشهدت صعود القوميين وغلبة الناصريين وانقسامالبعثيين وعرفت تجارب المناضلين وثورات الشعوب وتضحيات المقاتلين.

تدرجالأستاذ منير صعوداً في حياته وقد حمل المسؤولية مبكراً وعاش هموم وطنه صبياًقبل أن يتصدى لها شاباً وكهلاً وما زال يحمل ثوابت فلسطين ويتمسك بها ويصر علىالمقاومة ويحذر من مخاطر التخلي عنها ويدعو إلى الانتفاضة ويراها السبيل ويبشربالثورة الشعبية ويعتقد أنها الوسيلة فرأيته في البدء قبل النكسة وبعد النكبةوإلى اليوم يدعو إلى ذات الأهداف ويتمسك بنفس الثوابت فما غيرته السنون ولافتت في عضده الأيام ولا بدلته التحديات ولا أثرت في نفسه الاتفاقياتوالاختلافات وما زال يؤمن بانتفاضةٍ ثالثةٍ وثورةٍ شاملةٍ ويدعو لها فسابقاتهاأضعفت العدو وحيدت أسلحته وهزأت من جيشه الذي تحول من جيشٍ لا يهزم إلى شرطةٍتلاحق راجمي الحجارة وتجري وراءهم.

عصفتهالأفكار التي كانت سائدة في عهده أخضعها جميعها لعقله ونقده فما اتبع هواه إلاإذا كان مقتنعاً به وما خضع لرأيٍ أو التزم بقرارٍ يرى فيه تناقضاً مع قيمه ومانشأ عليه إلا أن يحافظ على وحدة حزبه وسلامة جماعته ولكنه ناقش قيادته وما سكتوعارض أحبته وما خجل وتحدى المتغيرات وما سكن وعاش التطورات وما جمد وواجهالرؤساء والزعماء وما جبن وتمسك بمواقفه وصمد وسجل في مذكراته صراع الأفكاروتهافت النظريات وتنافس القوى والأحزاب في سرديةٍ متسلسلة ومشهديةٍ حية تشعركوأنت تتابعها عبر صفحاته أنك تعيش زمانه وتتناقش وإياه أحداثه الكبرى وتفاصيلهالصغرى.

مذكراتمنير شفيق لم تكن شخصية بل كان فيها وكأنه فلسطين التاريخية إذ يتحدث وشعبها إذ يروي حكايته وأهلها إذ يقصمعاناتهم ويرفع شكواهم ينقلها بصدقٍ ويعرضها بإنصافٍ ويحللها بمهنية العارفوتجربة الحكيم ويعيد رسمها ببراعةٍ وكأن أحداثها تجري اليوم فرأيته يتوقف فيعمان بأسىً وهو يستعرض الاقتتال في شوارعها ويعرض أسبابه ويدين أخطاءه وقد كانمن الممكن تجاوز الأزمة وعدم الانجرار إلى الفتنة لولا التنازع والاختلاف وتشتتالقرار وتعدد التبعيات ولكنه يرفع رأسه عالياً ويفاخر بالكرامة التي حشدتللثورة وأعادت للشعب بعد النكسة بعض الكرامة وكسرت أنف العدو حينها وقد كانمتغطرساً متبجحاً وما زال يؤمن بحتمية كسره ويقين هزيمته والانتصار عليه.

ورأيته في بيروت مفكراً وباحثاً وكاتباً ومنظراًوناقداً ومحللاً له في كل حدثٍ موقفٍ وعند كل مناسبة رأيٌ وأمام كل نازلةٍوحادثةٍ اجتهادٌ وفتوى منفتح العقل مستنير الفكر يقلب الأفكار ويناقش الآراءجريئاً لا يتردد ومقداماً لا يخاف ولا يستنكف أن ينقلب على نفسه ويغير موقفهوأن ينقد فكره ويراجع معتقداته ولا يستعظم الاعتراف بالخطأ والقبول برأي الآخرينوالعمل معهم ولو كانوا أصغر منه سناً وأقل ثقافة وأحدث تجربةً طالما أن حجتهمأبلغ وقدرتهم أكبر وحماستهم أكثر وإيمانهم بالقضية أصدق ومن بين الاختلافوالتصادم والحوار والنقاش والأفكار ونقائضها والتحديات وصعوبتها كتب عشراتالكتب التي وإن ولى زمان بعضها إلا أنها ما زالت تفيد وتنفع وتخدم الباحثوالدارس والقارئ والمتابع.

آمن منير شفيق بفلسطين التاريخية كلها أرضاً واحدةًووطناً موحداً لشعبنا وعمل طوال حياته تحت هذا الشعار ومن أجل هذا الهدف فما كانكاتباً أو محاضراً فقط ولا كان مفكراً أو مخططاً وحسب بل جمع بين الكلمةوالبندقية وبين التنظير والتنظيم وشارك وجمعٌ من إخوانه ورفاقه في التأسيسلسريةٍ كان لها في فلسطين ولبنان دورٌ كبير سجل محطاتها وعرض نقاشاتها وأبرزرجالها ومجد أبطالها ونسب لهم الفضل وما استأثر به وحفظ لهم جهدهم وما نكرهموذكر مآثرهم وما جحدهم وقد كان لسريتهم أن تواصل عملها وتستمر في رسالتها لولاأن رأوا أن غيرها أقوى منها قد برز وأقدر منها قد تشكل ممن يحملون نفس الأهدافويؤمنون بذات المسار المقاوم والخيار الجهادي.

كثيرةٌ هي الجوانب المضيئة في مذكرات الأستاذ منير شفيقالتي وددت الإضاءة عليها والإشارة إليها ولكن مقالاً صغيراً قد لا يتسع لها ولايفيها بالتأكيد حقها ولعل قراءً غيري يجدون فيها أكثر مما وجدت حسناً وجودةًوينتبهون لما لم أنتبه له وألتفت إليه وإلى ذلك أسجل للأستاذ منير ومحرر مذكراتهالمرحوم الأستاذ نافذ أو حسنة رشاقة اللغة وخلو الكتاب من الأخطاء اللغويةتقريباً وجمال السرد وروعة العرض وتنوع الأسلوب وتسلسل المحطات وتتابعالأحداث وحفظ الأسماء والتركيز على التفاصيل المنسية وغيرها الكثير مما ميزالمذكرات وجملها وحسنها ونهض بها.

بكل الفخر والاعتزاز قرأت لك أستاذي الكبير أبو فاديمنير شفيق منك تعلمت الكثير وإلى كتبك القديمة ومقالاتك الجديدة سأعود دوماً إذفيها الجديد والحكمة وفيها الصدق والوطنية وفيها الخبرة والتجربة والله العظيمأسأل أن يحفظك ويطيل في عمرك حتى تعود إلى القدس وبيت عائلتك في حيالقطمون ويبارك لك في عقلك وفكرك وقلمك ولسانك فما زال لديك الكثير لتعطي ومازلت قادراً على العطاء المبدع والفكر الخلاق والنقد البناء والنصح الأخويالصادق حفظكم الله ورعاكم وجزاكم عنا وعن فلسطين وأهلها خير الجزاء.