مقالات

يومَ صارت لنا مقاومة حقيقية!


تفاجأ المتابعون من حجم التفاعل الفلسطيني مع صنيع المقاومة في هذه الجولة من المواجهة ودهش آخرون من سرعة التحول للاصطفاف خلفها وللتعبير عن الانحياز لها بأشكال عديدة أقلّها حالة التخندق خلف كتائب القسام واعتبارها عنواناً للعزة والفخار لم يعد حكراً على حماس فقط بل غدا ناطقاً باسم كل وجدان عشق المقاومة وهتف لها!

ليس مثل مقاومة الاحتلال عامل تجييش لمشاعر الفلسطينيين وإطلاق عزائمهم من عقالها ورد الروح الوطنية لهم ففي عام 1991 عشية حرب الخليج الأولى كان الفلسطينيون يعيشون أسعد أيامهم وهم يترقبون نزول الصواريخ العراقية على المدن المحتلة داخل الكيان وفي حرب 2006 بين الاحتلال وحزب الله عادت تلك المشاعر حية نابضة بالأمل وهي تتابع الخسائر المتتالية في صفوف جيش الاحتلال.. لكنّ الحال هذه المرة كان متميزاً ومغايراً ومختلفاً ويحمل نكهة خاصة فالأيدي المقاومة هذه المرة التي تنتصب نداً في وجه إسرائيل هي أيدٍ فلسطينية والمناطق التي تنطلق منها الصواريخ بعيدة المدى هي فلسطينية أيضا فكان هذا عامل افتخار واعتزاز غير مسبوق.

إن معادلة المواجهة الجديدة في غزة تقول إن المقاومة الفلسطينية هناك قد ودّعت عهد العنتريات والخلايا المتشرذمة كما ودّعت العشوائية ونزعة ردود الأفعال وصار هناك جسد مقاوم متكامل يشبه الجيوش الصغيرة وهو كيان متطور ومتنامٍ على صعيد العناصر البشرية والعتاد العسكري وحتى على صعيد التصنيع الذاتي للسلاح. فضلاً عن كونه كياناً منظماً ومنضبطاً لا ينشغل بالاستعراض في الشوارع ولا بإطلاق التهديدات الإعلامية فارغة المضمون وغير المتوافقة مع قدراته أو حجمه.

إن المقاومة في غزة اليوم وعلى رأسها كتائب القسام هي مفخرة لفلسطين كلها بل للأمة بأسرها أيضا وهذا المقام الرفيع الذي بلغته ما كان ليكون لولا احتضان حركة حماس حكومة وتنظيماً لها وحماية ظهرها والاعتناء بها وفتح مجالات التسلّح والتطوير أمامها فمنذ تحرير غزة وكتائب القسام تنتقل من مرحلة ظفر إلى أخرى ومن محطّة تطور إلى ثانية أعلى ومقاومة هكذا حالها لا يمكن أن يكسرها موت قائد أو غيابه لأنها مشروع قائم بذاته وكيان منظم متين البنيان رغم ضيق حدود المساحة التي يتحرك فيها ومعايشته أجواء حصار خانق لا تتيح له تلبية جميع طموحاته على صعيد التسليح.

علمتنا وتعلمنا تجربة المقاومة في غزة أن المستحيل ينكسر أمام الإرادة وأن العجز لا يغدو خياراً إلا لمن ينحاز إليه مع سبق الإصرار وأن باب التحرير لن تطرقه إلا السواعد القوية المزنرة بالعقيدة وغير العابئة بإملاءات الضعف وواقع المهانة.

مع كتائب القسام في قيادتها هذه الجولة من المواجهة اقتربنا من حلم الحرية أكثر وبتنا نوقن أن عصر الغطرسة الصهيونية والقتل دونما حساب قد انطوى وانتهى وتشكلت في الأفق وعلى الأرض معادلات جديدة بفعل لغة الدم والإثخان في الأعداء وتراجعت أمامها حسابات أولئك المتكوّمين على رهانات التسوية العقيمة حتى انطفأ نورها ولفظها الوعي الفلسطيني الذي استعصى على التدجين وظلّ وفياً لروح المقاومة والجهاد!